Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

نحو مؤتمر بال فلسطيني (35). بالتعاون مع صحيفة باريس القدس

ترجمة الفصل الأخير من كتاب خطتي للسلام حكاية فلسطيني عاد إلى يافا

د. أفنان القاسم / باريس

دائما ما يكون الجو جميلا في يافا، حتى في الشتاء، ويا لنا من محظوظين نحن اليافاويين! الشمس لنا طوال السنة تقريبا، والبحر، ولا تفرغ حدائقنا من عطر زهر البرتقال. نعمة حقيقية. وقعت ابنتي سامية في غرام المدينة منذ أول يوم لعودتنا. زوجتي كذلك. لديهما نوستالجيا لباريس طبعا، لشوارعها، لمعالمها الأثرية، لدكاكينها، ولكن يافا تعطيهم الأمن، والاطمئنان، وراحة النفس، خاصة منذ غدت سارة وأمها نورة اللتان تسكنان في الطابق الأول صديقتيهما. الصداقة في النهاية هي اختيار القلب، وقد اهتزت قلوب النساء الأربعة بسرعة. تذهب بنتا الخامسة عشرة إلى الكلية الإنجليزية معا كل صباح، فهما في نفس الصف. وتعودان إلى البيت معا، وأحيانا تبقيان معا إلى ساعة متأخرة من المساء لتنجزا واجباتهما. خاصة واجبات العبرية، لغة لا تعرفها ابنتي إطلاقا. لحسن الحظ سارة هنا. العبرية ليست كالعربية، يا بابا، تقول لي سامية، ومع هذا كانت تقدر على فك لغة الضاد بصعوبة. الذنب ذنبي. مهنة الصحافة تأخذ مني كل وقتي، ولا يمكنني تكريس ساعة أو ساعتين في اليوم من أجل تعليم لغتنا لابنتي. تعاتبني زوجتي: أنت يا من تتقن العربية جيدا لا تُعلّم هذه اللغة لابنتك الوحيدة لتستطيع فيما بعد قراءة مقالاتك، الأمر جسيم الخطورة بالنسبة لي! فأفعل كل ما بإمكاني فعله كي أطبق برنامج تعليم تطبيقا تعسفيا، لكن ابنتي تتراخى بسرعة، فهي لا تأخذ درس "بابا" أبدا بمحمل الجد. والغريب أني لم أفكر أبدا في إعطاء أستاذ لها. مع كل نشاطاتها، موسيقى، رقص، رياضة، سباحة... هي أيضا لم يكن عندها وقت. هنا، في يافا، ومع أخذ بيئتها الجديدة بعين الاعتبار، عليها أولا أن تتعلم العبرية. العربية، ستكون فيما بعد. ربما خلال إقامتها عند أخي في عمان.


حول هذا الموضوع، وعلى العكس مني، لا يريد أخي أن يسمع شيئا عن يافا. في كل مرة يقوم بزيارتنا، يشعر بالاختناق، فيختصر إقامته. ومع هذا، يحب أبناؤه البحر، وتشعر زوجته كما لو كانت في الجزائر. زوجته من الجزائر العاصمة، وتجد يافا أجمل من المدينة التي ولدت فيها. بالنسبة لأخي، لن يقيم فيها أبدا. عمان دميمة بالمقارنة مع المدينة الساحلية الإسرائيلية، ولكنه يفضلها على أية مدينة أخرى في العالم هو الذي ولد في نابلس وكبر في الجزائر. يفضل عمان على نابلس حيث يشعر فيها أيضا باختناق أكثر. بالنسبة له، عمان هي عاصمة العالم. هناك يحب العمل والعيش. هكذا هو الأمر. أما عني، فليس لأنني ولدت في يافا عدت إليها، ولكن لأن قلبي، قلوبنا أنا وزوجتي وابنتي قد اختارت، ويتعلق اختيار القلب أيضا بالمدن كالأصدقاء. ولأن لي بعض الإمكانيات التي سمحت لي بشراء هذه الشقة الصغيرة في الطابق الأرضي من هذه العمارة الصغيرة ذات الطابقين الأرضي والعلوي، مع حديقة تزهر فيها أشجار البرتقال طوال السنة. ولكن على الخصوص لأن عملي الصحافي يسمح بهذا. أنا مراسل لعدة صحف عربية في بيروت ودمشق والقاهرة، كما كان الحال لما كنا في باريس. ومثل ابنتي وزوجتي لا أعرف من العبرية سوى كلمة "شالوم" إلا أن معظم الإسرائيليين الذين أعمل معم يتكلمون العربية، إذن لا مشكل هناك. كأني كنت في دمشق أو بغداد. أضف إلى ذلك، القدس، عاصمة الصحافة بمجموعها، ليست بعيدة، أصدقائي الصحافيون هم هنا دوما عندما أحتاج إليهم.

الحق أني لا أريد الحديث عن مهنتي، ومع هذا هذه المهنة تملأ حياتي. أريد أن أحكي أشياء بسيطة عن حياتنا الجديدة في يافا. أريد أن أتكلم عن نورة وابنتها سارة - ابنة وحيدة كابنتي سامية - أريد أن أحكي عما تفعلانه لنا عندما تدعواننا عندهما، عما تقولانه لنا. أريد الكلام عن مجنون السوق هذا، عن بائع السمك، عن الخباز، عن بائعة الخضروات والفواكه. أود الحديث عن الأماكن التي أرتادها، مقهى القرنة، مطعم الشط، البركة التي أرافق سامية إليها دون أن أسبح أبدا بسبب خوفي من الماء. الأمر جسيم الخطورة، يا بابا: واحد وُلد في يافا ولا يعرف السباحة! ترميني ابنتي ساخرة. أريد الحديث عن هذا القارب الراسي دوما قرب مسكننا والمسمى عنترة على اسم الفارس الجاهلي الأسود عاشق ابنة عمه عبلة. منذ كنت صغيرا، وأنا أحلم بالصعود على قاربٍ مشابه لأمخر البحار. أود الكلام عن موشيه وموسى، الأول يهودي والثاني عربي، ولكن للاثنين الاسم نفسه، فقط النسخ الصوتي يختلف. أريد الحديث عن كل شيء ولا شيء، عن العابرين، عن متنزهي السبت، عن اللصوص كما هم موجودون في كل البلدان، عن الطيبين، عن اللئيمين، عن كبار القامة والأفعال، عن صغار القامة والأفعال، وأيضا عن كبار القامة وصغار الأفعال، وصغار القامة وكبار الأفعال، عن المتواضعين، عن البسطاء، عن المتهورين، عن الوقحين، عن الشرفاء، عن عديمي الشرف، وعن آخرين لا خصوصية لهم. أود الكلام عن أحلامي الأخرى، أحلامي التي لي، الأكثر حميمية، التي اعتدت الاحتفاظ بها لنفسي، والتي لا أقولها لأحد حتى لابنتي، ولا حتى لزوجتي. أود الحديث عن ابتسامة مدفونة في ذكرياتي، ابتسامة رأيتها ذات صباح على شفتي امرأة عند موقف الباص، ومنذ ذلك الوقت لم أرها من جديد، ومع ذلك، كنت أنتظرها، تلك السيدة ذات الابتسامة التي لا تُنسى، لم أزل أنتظرها. أريد الحديث عن أمي، العجوز أمي، التي تتلفن لي غالبا وفي كل مرة تبكي، لأنها تتلفن لي في يافا، المدينة التي ولدت فيها، والتي ولدتني فيها، ولأنها لا تجرؤ على وضع القدم فيها لخوفها الموت من الفرح. أريد الحديث عن كل هذا، ولكني لا أعرف من أين أبدأ.

قالت لي سارة أول مرة دعينا فيها عند نورة أنا وزوجتي وابنتي، وهي تشير إلى صورة بالأسود والأبيض تمزقت حوافها لكثرة ما لُمست وحُملت ودُللت: هذا ساري. ضحكت أمها وقالت إنها منذ كانت صغيرة لم تكن ابنتها تقول أبدا بابا وإنما ساري، كانت تدعو أباها ساري. هذه إذن صورة أبيك، قلت لها. قل ساري، ألحت البنت، هو الآن في الجنة. مات أبوك في الحرب؟ هزت سارة رأسها. أنا آسف، همهمت. بدلت نورة الموضوع. سألتنا إذا كنا نحب الأكل الكاشير. كنا نأكل من كل الأطباق في باريس، قلت لها، كنا نحب كل شيء، الأكل الصيني، الهندي، الإيطالي، اليوناني، اللبناني، البرتغالي، البولوني... وأطباق يهودية، يهودية، ألحت نورة، هل سبق لكم وأكلتم؟ لم أكن أريد مضايقة نورة، كنت أريد الكذب عليها، كنت على وشك القول نعم، سبق لنا وأكلنا، لكن زوجتي سبقتني إلى الكلام، وقالت لا، أبدا. إذن ستأكلون أطباقا يهودية لأول مرة، وستقولون لي إذا أعجبكم هذا. سمعت سارة تقول لسامية، أبوك يشبه ساري، ألا تجدين ذلك؟ أبدا على الإطلاق، أجابت ابنتي. يشبه ساري بابا سامية، يا ماما، أليس كذلك؟ سألت سارة أمها. دعيني أرى... قليلا، إذا أردت، أجابت نورة. وابنتي: أبدا على الإطلاق، أبدا على الإطلاق. توجهت زوجتي بالحديث إليّ: أجد الحق مع سارة، أنت تشبه ساري كثيرا. أرأيتِ؟ صاحت سارة منتصرة. وسامية: أبدا على الإطلاق، أبدا على الإطلاق. اتركي ساري في حاله هناك حيث هو، هلا أردتِ، قالت نورة لابنتها. تركته، تركته، ولكن اعترفي أن الحق معي، بابا سامية يشبه ساري، أعادت سارة. نعم، قلت لك، قليلا، أعادت نورة مع بعض النرفزة. عند ذلك، نظرت سارة إليّ بمحبة. نظرت إليها بحنو، وابتسمت لها. ابتسمت لي. بدا على سامية الضيق. ابتسمت لسامية أيضا. انتظرت أن تبتسم لي، أن لا تخيب أمل صديقتها، أن تضع نفسها مكانها، وتجد في ساري بعض الشبه بي. فَهِمَتْ في النهاية، وابتسمت لي ابتسامة كبيرة.

في مقهى الفولغا القريب من بيتنا، صار النادل يوري يحفظ عاداتي عن ظهر قلب. إذا مررت في الصباح حوالي العاشرة لأكتب مقالي على رصيف المقهى، أحضر لي قهوة دوبل دون أن أطلبها منه. كان يكفيه أن يراني قادما من بعيد. ابتداء من الثانية بعد الظهر، كان يحضر لي قهوة دون كافيين، كان يعرف أنني لا أشرب قهوة بكافيين بعد تلك الساعة خوفا من ألا أنام في الليل. وعندما كان يحلو له ذلك، كان يقدم لي قطعة شوكولاتة سوداء. كان يبتسم لي، ويتكلم لي عن نفسه بضمير الغائب عندما لا يكون مشغولا كثيرا. يوري يفضل الفودكا على القهوة، إنها قهوته، قال لي في إحدى المرات. ليعمل جيدا، يوري يشرب كثيرا من الفودكا، مثلك، يا سيدي الصحافي مع القهوة. لا يمكنك كتابة مقالاتك دون هذا. يوري أيضا لا يمكنه الاعتناء بالزبائن دون هذا. سألته إذا كان لا يسكر. يوري لا يسكر أبدا، قال لي. ابتسم لي. في عروق يوري هناك نهر من الفودكا كبير بقدر نهر الفولغا، لكن يوري لا يسكر أبدا. هل تريد أن أحضر لك كأسا، ستكون دورتي؟ لا، شكرا يا يوري، أنت لطيف جدا، قلت له. أنا لا أحتمل الكحول، الكحول يقطع لي الإلهام، وفوق هذا يسبب لي الدوار. الفودكا إلهام يوري، عدة كؤوس، كثير من الكؤوس يوميا، قال يوري. وإلا ما أمكن يوري الاعتناء بالزبائن. سيعود يوري، قال فجأة. تركني إلى زبون ناداه. عرفت فيما بعد أن يوري يتكلم عن نفسه بضمير الغائب لأنه لا يعرف التكلم غير ذلك بالإنجليزية.

في أحد الأيام، بينما كنت أكتب على طاولة في زاوية من زوايا رصيف المقهى، أتى يوري مع مخلوقة شقراء جميلة جدا، وقال لي هذه دوشكا، خطيبة يوري. يود يوري أن يقدم لك صديقته لأنه كلمها عنك، قال لي. اعتذرت دوشكا للإزعاج بإنجليزية ممتازة، وهي تأخذ مكانا قربي. كلمتني عن القاهرة، وقالت لي إنها تعرف جيدا العاصمة المصرية، ثم سألتني إن كان لي أصدقاء في دمشق. قلت لها كصحافي لي أصدقاء في كل العواصم العربية، فقالت لي إنها ستزور مدينة الحرير، وإنها تريدني أن أوصي عليها أصدقائي. أحضر يوري كأس فودكا لصديقته وقهوة دوبل لي. قلت له إن هذه القهوة الدوبل الثانية كثيرة عليّ، لكنه أجابني أنها دورة دوشكا. وبالطبع، لبيت مطلب الشقراء الجميلة. جرعت كأسها دفعة واحدة، وكشفت لي أنها ستسافر وحدها، فيوري لا يستطيع ترك معلم الفولغا، وبشيء من الضغينة في صوتها، اعترفت لي أن النادل هنا يفضل عمله على خطيبته منذ أن انتهت الحرب نهائيا. أحضر يوري لدوشكا كأس فودكا أخرى، ولي كأس عصير برتقال. إنها دورة يوري، قال هذا الأخير. وذهب، وهو يبتسم كالطفل، إلى زبون وصل. وأنا أرى دوشكا تجرع كأس الفودكا الثانية دفعة واحدة، قلت لها في دمشق لن تكون هناك فودكا، لن يكون هناك كحول، وإلا نظر إليها الناس نظرة أخرى، فابتسمت لي دوشكا ابتسامة كبيرة، وقالت إنها لن تشرب سوى الماء في دمشق، وإنها لن تخيب أملي عند أصدقائي.

يوم الجمعة، في السوق، سعد المجنون هو من يحمل لنا، لي ولزوجتي، السلة. يأكل حبة فاكهة من السلة أو حبة خضار، ولا ينقطع عن الابتسام لنا ببلاهة. يقفز فجأة ليهدد حمالا آخر أو يركض وراء صبي يمد له لسانه فقط لأجل استفزازه. ولكن تعال، يا سعد، إلى أين أنت ذاهب؟ تصيح به زوجتي. هل رأيتِ ما فعله لي؟ يجيب بكلماته المقطعة. أنا يهودي، مثلكم، مثلهم، مثل كل الإسرائيليين. لي حق الاحترام. طيب، احمل جيدا السلة ولا توقعها، تنصحه زوجتي. ومن وراء بسطة السمك: هيه، سعد، لم تذهب إلى الكنيس اليوم من أجل الصلاة، يناكده مئير، السماك. لأجل إسعادك سأذهب إلى الجامع، مبسوط، يا بائع الحيتان؟ يجيب سعد. إلى الجامع أم إلى الكنيسة؟ يناكده مرة أخرى مئير. إلى الجامع، وسأطلب من إله الإسلام أن يجعل... يصيح سعد. حوتا يبلعني؟ يسأل مئير، السماك. قرشا يبلعك! يجيب سعد المجنون. أنا أخيف القروش، ألا ترى كرشي؟ يضحك مئير السماك. إذن سمكا أحمر، يرمي سعد بسذاجة. السمك الأحمر لا يؤذي أحدا، السمك الأحمر يعمل وجبة شهية للسيد الصحافي، يختم مئير. يغمزني، وهو يمد لي كيلو سلطان ابراهيم، هذا السمك بطعمه الملوكي لبحر يافا. إذن سمكا أسود، يعود سعد إلى القول. يقهقه مئير السماك. سمك أسود، لا يوجد سمك أسود، يقول. إذن سمكا أصفر، يرمي سعد دون أن يعني ما يقول. ومن جديد، يقهقه مئير السماك. لا يُغلب، سعد المجنون هذا، يقول لي، وهو يعيد لي الصرف. ثم لامرأتي: احتراماتي، سيدتي الصحافية. طعام ممتاز ونهار ممتاز! يتركنا سعد، ويعود ليعمل الصف عند بائعة الفواكه والخضار، يكمش عشرة عروق فاصولياء خضراء، ويأخذ في مضغها. كف عن مضغ الفواكه والخضار، تقول له زوجتي. تضحك البائعة الطيبة التي من الجليل حتى تدمع عيناها، ثم تهمس بالعربية في أذن زوجتي: إنه من عندنا، ولكنه لا يريد أبدا العودة إلى بيته. يفضل التسكع هنا. إنه من عند... تتردد زوجتي. والأخرى: من عندنا، من عندنا، من الجليل. أعرف للمرة الأولى أن سعد من الجليل. إنه من الجليل، من عندنا. أبوه من نبلاء البلد، ولكن هو، يفضل التسكع هنا. إنه مجنون.

ما أن يرانا صموئيل الفران نرتقي درجات محله حتى ينادي راشيل زوجته. راشيل، الخبز الفرنسي للسيد الصحافي وزوجته، يقول وهو يرفع الستار الفاصل بين قسم الفرن وباقي الدكان. ثم لنا، صباح الخير سيدي الصحافي، صباح الخير سيدتي الصحافية، خبزكم في الطريق. تصل راشيل بجسمها الضخم ووجهها المدور، وهي تبتسم كلها، وفي يدها عصاتان من الخبز الفرنسي. ها هي العصاتان كما تريدان وترغبان، تقول لنا. تأخذهما زوجتي، وهي تشكرها. أذهب لأدفع، لكن مثل كل مرة صموئيل لا يريد أن يأخذ شيكلاتي. ألح ألف مرة ليأخذ ثمن خبزي. خلال ذلك، تلف راشيل قطعة حلوى. هذه للصغيرة، تقول وهي تبتسم أكثر فأكثر. أريد دفع قطعة الحلوى، لكن راشيل تأخذ بالصياح: مقدمة للصغيرة من طرف الدكان. نشكرها أنا وزوجتي. ونحن على وشك المغادرة، يرمي صموئيل من ورائنا: وغدا، الشيء ذاته؟ نعم، الشيء ذاته، تجيب زوجتي. إلى الغد إذن، يقول صموئيل وراشيل بصوت واحد. إلى الغد.

لا تريد امرأتي أن يحمل سعد المجنون العصاتين، لكنه يلح على حملهما. يبدأ بالتسييف بهما كما لو كان يحمل سيفا. يصرخ، خبز فرنسي، خبز فرنسي! ينظر إليه الناس ويبتسمون. توقف قليلا، يا سعد المجنون، تقول له زوجتي. وهو، يصرخ دوما، خبز فرنسي، خبز فرنسي! يستمر حتى شارعنا، خبز فرنسي، خبز فرنسي! إلى أن يجعلنا انفجار ضخم نقفز من الخوف فجأة. صاروخ تم إطلاقه على مقطورة مدرعة لنقل النقود كانت تقف أمام أحد الفروع البنكية. مات ناقلو النقود في الحال، ودخل رجال مقنعون في المقطورة التي انشقت اثنتين، وحملوا أكياس مليئة بالأوراق النقدية، ثم هربوا في سيارتين بأقصى سرعة. لم يعد سعد مجنون كل يوم، قال لنا إنهم ضباط قدامى في الجيش الإسرائيلي. بعد انتهاء الحرب، وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل، فصاروا قطاع طرق. ولم ينطق بكلمة واحدة بعد ذلك حتى شقتنا. أعطيته بعض الشيكلات، وصرفته.

قبل مواصلة استكشاف حيي، أريد أن أحكي قصة موشيه وموسى. نشرتها في جريدة بيروتية، ولكن وقائعها لا تغادر أفكاري.

في الواقع، موسى فلسطيني من الأراضي المحتلة، هذه هي التسمية التي كانت قبل قيام الدولة الفلسطينية والإتحاد المشرقي. قروي من الخط الأخضر. أما موشيه، فهو مستوطن. في الخط الأخضر هناك عدد من المستوطنات التي بناها سكان القرى المجاورة من أجل عيشهم. وبالطبع، غصبا عنهم. وأحيانا على حساب القرى العربية التي هدم نصفها أو تم محوها تماما. لأن الأطفال عليهم أن يأكلوا، ولا أحد في العالم يقلق من أجل القرويين الصغار هؤلاء. إلا أن، بعد قيام الدولة، ذهب موسى يطرق باب موشيه ليقول له إن البيت الذي يسكن فيه هو من بناه. وعلى العكس، بيته، بيت موسى، قد هدمته الجرافات.

وضع موشيه كتابه المقدس، ورجا موسى الدخول. طلب من زوجته روبيكا أن تعد الشاي، شايا بالنعنع، بما أن موشيه يهودي أصله مغربي. تكلم مع زائره بالعربية الفصحى، عندما اعترف موسى أن لمن الصعوبة لديه فهم الدارجة المغربية تمام الفهم. عندما علم موشيه أن اسم من دعاه إلى منزله موسى، رفع يديه إلى السماء، وشكر الله على تلك الصدفة. لم تفهم روبيكا شيئا، وطفلها على ركبتيها، فشرح لها زوجها أن لهما واجبات ومسئوليات الواحد تجاه الآخر بسبب اسمهما المشترك. وفي وقت السلم، يوصي الله بالجار خيرا خاصة أنه لم يعد عدو الأمس. بنيتَ بيتي، إذن سأبني بيتك، قال موشيه الطيب. وابتداء من الغد، شمر عن ساعديه ليعين موسى.

في مطعم الشاطئ نجمة دافيد، لا يجري تقديم سوى أطباق شرقية. كنا ندعو هناك نورة وابنتها سارة عندما تكون زوجتي تعبة وتريد مشاركة صديقتيها وجارتيها الطعام. دافيد، صاحب المطعم، يهودي أصله مصري، أناديه داوود، وأحكي معه بالمصرية، وهو على أي حال يرفض أن أكلمه بالإنجليزية. حتى عندما يقبل - لأن نورة وسارة اللتين أصلهما أسباني لا تفهمان العربية - وأكلمه بالإنجليزية يجيبني بالعربية. يقدم لنا دجاجا محمرا بالبصل مع مائة طبق مقبلات، أنا لا أغالي. هذه الأطباق اللذيذة التي نتناولها في الوقت الذي نتناول فيه الطبق الرئيسي، في جو فرعوني وتحت سطوة الأغاني المصرية. فجأة يجتاح صوت أم كلثوم الماسي القاعة، ويقترب داوود مني، وهو في غاية السعادة، ويقول لي بابتسامة كبيرة جدا إن كل هذا لأجلي. أشكره، ولكن أمام تغضن جبين البنتين، أطلب منه أن يوطئ الصوت، فلا يوطئه. تقول زوجتي لسامية وسارة لو كان هذا روك أو راب لرفعتا الصوت إلى أعلى ما يكون ولأمضيتا الليل مرحتين أقوى ما يكون المرح. تضحك البنتان. تجد نورة صوت أم كلثوم رائعا حتى وإن لم تفهم الكلمات. يقدم لنا داوود على حسابه طبقا كبيرا من الكباب، وهو يلح قائلا: على الطريقة المصرية، كما هو الحال في الماضي الرغيد. ومع ذلك لم يكن داوود كبير السن إلى هذه الدرجة. وفي كل مرة: تريدون شيئا آخر؟ تريدون شيئا آخر؟ بعد العشاء، نتنزه قليلا على طول الشاطئ، ألقي نظرة على القارب عنترة الراسي دوما هناك. أذهب قليلا مع أحلامي: أن آخذه ذات يوم، وأمخر البحار.

في أحد الأيام، فاجأتني أمي. سأكون غدا في مطار تل أبيب، قالت لي على الهاتف. كنا كلنا هناك بانتظار وصولها، أنا، وزوجتي، وابنتي. كنا خائفين عليها بعد غياب نصف قرن، كنا خائفين عليها أن تموت من الفرح مثلما لا تتوقف عن ترداد ذلك كلما تلفنت لنا. عددنا الساعات والدقائق. فكرنا في كل ما يمكنه عبور روحنا، تخيلنا شخصا لم ير بلده منذ عقود. متى تضع القدم على الأرض التي ولدت فيها، عندما تنظر من حولها وترى أن كل شيء قد تغير، عندما تذهب إلى البحث عن المكان الذي كانت تسكن فيه، عندما تنظر إلى البحر وتجد أن السفن تبحر دوما، عدا عنترة. وعندما، وعندما، وعندما... حطت طائرتها أخيرا. أخذ قلبي يدق بعنف. تركتنا زوجتي، أنا وسامية، وذهبت إلى باب وصول المسافرين، بهيئة زائغة. لم نكن سعداء لرؤية أمي، كان الحزن يعصر قلوبنا. لماذا تفعل فينا هذا؟ لماذا عادت؟ لماذا لم تعد تخاف الموت من الفرح؟ كنا حزناء. رأيتها من بعيد، رفعت يدا مترددة، وحاولت أن ابتسم لها، ولكني لم أستطع. اختبأت ابنتي من ورائي. اختفت زوجتي. لدهشتي كانت أمي تقطب حاجبيها، لم تكن حزينة، ولم تكن سعيدة، كانت لها هيئة شخص يخرج من قبر، الموت عنه بعيد، ولكن دون إظهار أقل إشارة فرح لعودته إلى الحياة. كان لأمي وجه كامد، وجه ميت.

ماما!

لم تقبلني. لم تسألني لماذا تختبئ سامية من ورائي. لم تسألني أين زوجتي. ومع ذلك قلت لها إن زوجتي في مكان ما هناك، إنها ذهبت لاستقبالها. توجهنا إلى سيارتي التي لا آخذها إلا لماما، ووجدنا زوجتي جالسة على المقعد الأمامي، وهي تبكي. لأني هنا تبكين؟ سألتها أمي بجفاف. لا، أؤكد لك، همهمت زوجتي. في الطريق، على رؤية يافا من بعيد، انفجرنا كلنا نحن الأربعة باكين. سقطت سامية بين ذراعي جدتها، وبكت، بكت كطفلة ذات خمس سنين، وبكت. صرخت "مامي"، وبكت. أوقفتُ السيارة، وعيناي مغرورقتان بالدموع، وبكيت كطفل، أنا أيضا. انتحبنا نحن الأربعة، أمي التي سيكون عمرها ثمانين سنة ونحن الباقين، كالأطفال. استمر ذلك وقتا طويلا. ثم توقفنا كلنا عن البكاء دفعة واحدة. مسحت سامية دموعها، وأطلقت بعض الضحكات، أحلى الضحكات. ثم صمتت. عدت إلى قيادة السيارة من أجل الذهاب مباشرة إلى بيتنا. كانت نورة وسارة هناك بانتظار أمي. أشارت لهما زوجتي من بعيد، ففهمتا، وبقيتا جامدتين كالتماثيل. حيتهما أمي، وهي تمر أمامهما، ولكنهما، هما، لم تردا عليها. سارعت سامية وسارة إلى الانعزال لتحكيا لبعضهما أشياء عن وصول أمي، عنا، ولماذا كل ذلك الجو المفجع. أما نورة، فقد بقيت جامدة كالتماثيل. ثم رفعت رأسها، ونظرت إلى قمم الشجر.

خلال إقامتها في يافا، لم تبد أمي أي فرح، حتى إنها لم تطلب الذهاب إلى اكتشاف بيتها القديم. كانت تنظر إلينا، وتنظر إلى الناس. في البداية، رافقناها إلى الشاطئ، ثم صارت تعرف كيف تذهب وحدها. السبت، كنا نتنزه مع نورة وسارة في شارع اسكندر عوض القديم، وطبعا لم يعد هناك أي أثر لهذا الشارع الماضي. ومع ذلك، كانت لأمي هيئة أقل حزنا عندما تسير على رصيفه. كانت تكلمها نورة بالإنجليزية، وتترجم لها من العبرية، حتى عندما يصيح عابر بآخر. هذا بحار سئم الإبحار، أو هذه عاهرة تشكو قلة الزبائن في زمن السلم، شيء مفارق، ولكن لا تفسير له. إسرائيل بلد المفارقات، أسرّت نورة لأمي. تَقاتَلَ شخص مع شخص آخر، وراحا يشتمان بعضهما. عربي ويهودي؟ سألت أمي نورة. لا، يهودي ويهودي، أجابت سارة. نحن بلد المفارقات ولكننا أناس طبيعيون... إلى حد ما، تضيف نورة. ولكن أتسمعون ما يقولون؟ أنا لا أفهم العبرية، رمت أمي بابتسامة تعبة وحزينة. أعرف، أعرف، سارعت نورة إلى القول. على بعد وجيز، كان هناك شخصان آخران يتقاتلان ويتشاتمان هما أيضا. أريد فقط أن أقول لك، عادت نورة إلى القول، أترين هذين الشخصين هناك اللذين يتقاتلان؟ الواحد عربي والثاني يهودي، وهذا الأخير غطى الأول بالشتائم، بكل الشتائم العنصرية التي في العالم. أنتم إذن، رمت أمي من جديد، لستم فقط طبيعيين بل أكثر من طبيعيين. نادتني أمي، ولكني لم أجبها. وقعت على تلك الابتسامة التي كنت أبحث عنها والتي كانت تسكنني. نفس السيدة الماضية، نفس الابتسامة التي ألقت بها قبل الصعود في الباص والاختفاء.

في وسط الليل، بدأت سامية بالصراخ من ألم في بطنها. جربنا كل شيء لتخفيف الألم عنها، العشب المغلي، القربة، الحبوب التي تحتفظ بها زوجتي احتفاظها بالأحجار الكريمة "في حالة ما". لكن شيئا لم ينفع. صعدت زوجتي تطرق الباب على نورة. سامية يوجعها بطنها وجعا رهيبا، قالت لها. نهضت سارة أيضا، وأرادت مصاحبة أمها. لا، عودي إلى السرير، غدا عندك كلية، وعليك النوم، قالت لها أمها. أحضرت بعض أكياس "ديبريدا" لإذابتها في كأس ماء. لكن شيئا لم ينفع. اقترحت نورة أخذها إلى المستشفى العسكري غير البعيد، وستقوم بدور المترجمة. لا تزعجي نفسك، قالت لها زوجتي، سيكون حتما هناك أحد يتكلم الإنجليزية أو الفرنسية. لكن نورة أصرت على المجيء.

في المستشفى العسكري، كانت الحياة في أوجها ليلا نهارا. أخذ فريق من الأطباء والممرضات على عاتقه معالجة ابنتي فورا. تركت زوجتي ونورة ترافقان سامية، وذهبت أجلس في قاعة الانتظار. كانت لي رغبة في النوم، فأغمضت عينيّ، ولكني لم أتمكن من ذلك. وقفت، وعلى غير عادتي، وضعت قطعة نقدية في موزع الشراب الساخن، وأخذت قهوة سوداء. قطعت الممر الطويل، وأنا أرشف قهوتي، عندما بدأ من ناحيتيّ معاقو حرب من كل الأشكال يخرجون من الحجرات. الذين قطعت ذراعهم أو ساقهم، الذين على عينهم ضماد أو حول رأسهم رباط، الذين أسنانهم مقتلعة، أنفهم مجدوع، شفاههم مقطّعة، أظافرهم مقتلعة. هناك الشقر، والسمر، والسود. الذين يتكلمون العبرية، الذين يتكلمون العربية، الذين يتكلمون الفرنسية، والذين يتكلمون الروسية، والذين يتكلمون الإنجليزية أو الأسبانية أو الهنغارية أو البولونية. كانوا يتكلمون كلهم في وقت واحد، ويبدون سعيدين. كانوا يضحكون، ويضربون في أيدي بعضهم البعض، وعلى الكتف. كانوا يتنادون. كانوا يشيرون إلى بعضهم البعض، ويتجهون كلهم إلى قاعة كبيرة، ويختفون. نظرت إلى ساعتي، كانت الثالثة صباحا، ولم أكن أحلم. عدت إلى قاعة الانتظار، وقليلا فيما بعد، رأيت ابنتي تتقدم بين أمها ونورة، وعلى شفتيها ابتسامة رائعة. سارعت إليها، وأخذتها بين ذراعيّ. لا شيء لديك؟ واصلت الابتسام. لا، لا شيء لديها، قالت نورة. غسل لها الطبيب معدتها، أوضحت زوجتي، لم يعد لديها شيء.

عند عودتنا إلى البيت، وجدنا أمي وسارة جالستين بانتظارنا على عتبة باب البناية الخارجي. كانت أمي تحتضن الصغيرة بين ذراعيها، وهي تغطيها جيدا، والصغيرة تنام على صدرها. قالت نورة وزوجتي لهما إن الطبيب أجرى غسيلا لمعدة سامية، وإنه لم يعد لديها شيء. قلت للجميع لم تعد لديّ رغبة في النوم، وأنا ذاهب لأعمل دورة على الشاطئ. نَظَرَتْ أمي إليّ، قلقة. طمأنتها، وأنا أبتسم لها، وهربت من نظرتها.

كان الشاطئ خاليا من كل قدم، والبحر ممتدا إلى ما لا نهاية، أسود وفضيا، وكانت الأمواج تكلم الأمواج. تقدمت من عنترة، الموجود دوما هناك، الراسي دوما، المهجور دوما، عندما خرج من قعره فجأة رجل أسود عاري الصدر جميل كإله. حدثني بلغة أجهلها، ولكني فهمت من حركاته: إذا ما كنت أرغب في القيام بنزهة في القارب معه. قلت لنفسي للقارب إذن صاحب، وهو يمخر البحر كل ليلة في مثل هذه الساعة. أشرت إليه بنعم، فساعدني العملاق الأسود على الصعود. وبعد لحظات، اخترقت حلم طفولتي، أنا الرجل الذي كنت، بعد سنوات طويلة من الانتظار والعذاب.

باريس 2004

د. أفنان القاسم: خطتي للسلام، الإتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 117-133.

ترجمة د. بريجيت بوردو / الكيبيك

Views: 57

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Comment by abouyasser on June 12, 2010 at 11:58am
قرأت (الورقة) بمتعة..بسرعة انجذبت الى الجغرافيا والحوار والناس.....شكرا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)