Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

ترجمة كتاب كيف ولماذا تمت فبركة ياسر عرفات؟ : 3

د. أفنان القاسم: بيروت: دولة في الدولة

لماذا استحال التعايش بين السلطتين السياسيتين في عمان ولم يستحل في بيروت؟ لأن المرامي كانت مختلفة. لقد فعل عرفات في عمان كل ما بوسعه من أجل تقوية النظام الأردني والحصول على فيزا لإقامة في بيروت بصفته الرجل القوي للمقاومة، القادر على تطبيق المرحلة الثانية من خطة الموساد والسي آي إيه: إثبات أن إسرائيل موجودة وبالتالي العمل على قبولها من طرف شعوب المنطقة. لم يكن تحقيق ذلك ممكنا إلا إذا أدخلت إسرائيل في رقعة الشطرنج السياسية للشرق الأوسط بصفتها دولة بأتم معنى الكلمة، فقد كان مصيرها مهددا: موجودة؟ غير موجودة؟


ليثبت أن إسرائيل موجودة، كان من اللازم خلق دول أخرى على شاكلة الدولة العبرية: دولة مارونية، دولة درزية، دولة شيعية... من هنا جاءت فكرة لبنان "بلد الطوائف"، والذي على عرفات وهو فيه أن ينجح في تأكيد وجود إسرائيل وليس في تحرير فلسطين. لم يكن تحرير فلسطين بدءا من قواعد الفدائيين في لبنان سوى خديعة، حتى وإن كان عرفات يسعى بكل الوسائل إلى إقناع الفلسطينيين أن ذلك كان ممكنا. لم يكن هدفه تحرير فلسطين، وإنما حماية إسرائيل، وجعلها أكثر من أي وقت مضى داخل حدود آمنة، آمنة في ذلك الوقت، ومعترف بها فيما بعد، في المرحلة التالية، مرحلة تونس كما سنرى.

إذن، وصل عرفات إلى لبنان مع فكرة تمزيق هذا البلد، وهدمه، وذبح سكانه. هكذا يبدأ كل دكتاتور لينجح في مهنة تسمح له بالدخول في التاريخ من الباب العريض للفظاعة الخلابة التي لم يتوقف الإنسان عن صونها ضد إنسانيته. أنشأ دولة في الدولة كان يسيطر عليها تماما من شهادات الميلاد إلى شهادات الوفاة، أقام على الأرض اللبنانية دولة فلسطينية على شاكلته: دكتاتورية، فتح الطريق للكتائب ليخوضوا "حربهم" ضد باقي الطوائف المتحالفة معه، حربا أكثر فظاعة وأكثر إحالة، كي يقيموا "دولتهم" على شاكلتهم، دولة ليست أقل دكتاتورية، دولة "مسيحية"، كما كانوا يقولون.

قبل تفجير هذه الحرب اللبنانية التي كانت تهدف إلى الإقرار بشرعية الدولة "العبرية"، وقفت عقبات كثيرة في وجه عرفات: العقبة الأولى القادة الفلسطينيون الطوباويون الذين كانوا مع القتال على جبهتين جبهة الكتائب وجبهة الإسرائيليين. أعمتهم وطنيتهم وحلم العودة يوما إلى القدس، فلم يفهموا خطورة الوضع المنسوج من حولهم، ولم يروا أن كل رصاصة تُطلق كانت تدمر قليلا أكثر القضية الفلسطينية. العقبة الثانية كانت الفدائيين هم أنفسهم وسكان مخيمات اللاجئين الذين كانوا يدعمونهم. العقبة الثالثة كانت القوى المدعوة وطنية، الأحزاب اللبنانية الطوباوية التي كانت تتمنى التخلص من الكتائب والعمل من لبنان بلدا حرا وديمقراطيا إلى جانب بلد آخر حر وديمقراطي، فلسطين المحررة.

قام كوماندوس إسرائيلي آتٍ من البحر على رأسه باراك الذي سيعين فيما بعد رئيسا للوزراء "لشجاعته" و"تفانيه" في فعل "بطولي": اغتيال القادة الثلاثة الرئيسيين المدافعين عن القتال ضد إسرائيل في أسِرّتِهِم: نجار، عدوان، وناصر. أقول بدقة "في أسِرّتِهِم" للتذكير باغتيال آخر، اغتيال أبي جهاد في تونس، على يد كوماندوس آخر آتٍ من البحر. وفي سريره هو أيضا. وطبعا لم يكن ياسر عرفات هناك خلال الاغتيالين. كان على علم بالأمر، وبما أنه كان مسافرا في اللحظة التي تم فيها الاغتيال، كان له دوما العذر الذي يريد. في ذلك الوقت، كنت أظن أن أبا إياد وأبا اللطف يتواطآن معه، لكني كنت مخطئا، الأول اغتيل بدوره بعد عدة سنوات، مما فتح الطريق لعرفات نحو الاعتراف بإسرائيل، والثاني جُرّد من كل سلطة، وكانت المهمة الوحيدة التي بقيت له أن يكش الذباب في تونس.

مع موت القادة الثلاثة الطوباويين، زالت العقبة الأولى، ووجد عرفات نفسه حرا في الإسراع بالحركة نحو إكمال خطة الموساد والسي آي إيه. لم يعد بحاجة إلى "عونهم" عندما كان يريد التخلص من معارضٍ أو من حالمٍ خطر. كان يأمر باغتياله ليتهم الموساد فيما بعد. وهذا ما حصل مع غسان كنفاني أو ماجد أبي شرار أو ناجي العلي وكثيرين غيرهم.

أما بخصوص الفدائيين الذين كانوا على استعداد ليموتوا في سبيل فلسطين، كان عرفات يعطي الأوامر التعسفية الجائرة للحيلولة دون توجيه أقلها ضربة تُلحق الأذى بإسرائيل. كان رمي الصواريخ من الأراضي اللبنانية على كيبوتزات وقرى شمال إسرائيل تتبعه بشكل نسقي عقوبات صارمة، وكان الفدائيون يعاملون بطريقة أكثر ما تثير الغضب في المعسكرات، كانوا يُحتقرون، ويُهانون. كان على أخي أن يهدد رئيسه بسلاحه لاستعادة جواز سفره والهرب من الوكر اللبناني. كان من بين الأوائل الذين أدركوا المهزلة التي كانت تمثلها المقاومة الفلسطينية حسب عرفات. لقد فهم أن فلسطين ستبقى إلى الأبد أرملة. لم يكن يمكنه سرقة دكاكين المجوهراتية كما كان يفعل زملاؤه ولا اغتصاب بنات الأثرياء. لقد اختار الطريق الأخرى المعارضة لطريق تحرير ياسر عرفات وشركائه لفلسطين، وحسنا فعل، وإلا مات من أجل قضيةِ طاغيةٍ، قضيةِ دكتاتور. تبقى مخيمات اللاجئين التي كانت تدعم المقاتلين الفلسطينيين، والتي كانت تعاني البؤس والبعاد. كانت إرادة أولئك الأشخاص الذين فقدوا كل شيء ما عدا حلم العودة يوما إلى فلسطين ترعب الدكتاتور، فعمل على تفريقهم بدفع الواحد ضد الآخر. لكن لم يكن يزعزع إرادتهم شيء ولا التفافهم من حول الفدائيين الذين كانوا في معظمهم أبناءهم. تحولت تلك المخيمات خلال الحرب الأهلية إلى أشرس ميادين القتال. كانت الطريقة الوحيدة لكسر إرادتها وإحراق حلمها.

العقبة الثالثة، عقبة الأحزاب الوطنية، كان اجتيازها أقل صعوبة من عقبة المخيمات، فقد أفسدها عرفات، وحرض الواحد ضد الآخر، حتى إن الحال قد ذهب به إلى تسليح الواحد ضد الآخر. أمام الكتائب، لم يكونوا يقدرون على شيء لو لم يكن هناك عرفات ونقوده وأسلحته. إذا كانوا متفرقين فيما بينهم، كانوا متجمعين من حول ياسر عرفات الذي لم يقطع اتصالاته أبدا بجميّل الأب ولا بولديه. على العكس، لم يتوقف عن التعامل معهم إلى درجة كان يقال إنه كان يختبئ أحيانا عندهم ليحمي نفسه، فقد كان في مأمن أكثر في بيروت الشرقية من بيروت الغربية.

ولكن قبل شن الحرب الأهلية، حرب عرفات الحقيقية - لم تكن بعض العمليات ضد إسرائيل إلا لذر الرماد في عيون الساذجين والحالمين - لجأ السادات إليه طالبا دعمه. أمام الضيق المتعاظم في صفوف الجيش المصري المنتظر إلى ما لا نهاية خوض معركته ضد إسرائيل وليس كي يدفع الإسرائيليين للمجيء إلى طاولة المفاوضات، كان السادات، بدعم من الأمريكان، يريد القيام بحرب صغيرة ضد إسرائيل ليجتاز قناة السويس وليبقى هناك على الضفة الأخرى للدموع والأحزان. ظن عرفات أنها خطة أخرى تتمم خطته، فأيدها. دارت حرب أكتوبر في صالح الدولة العبرية، وأصبحت ورقة إضافية لشن الحرب الأهلية في لبنان، فالطريق إلى فلسطين تمضي ببيروت وليس بالقاهرة! على الفلسطينيين هم تحرير وطنهم! سادات لم يكن يريد تحرير سوى سيناء! إلى آخره. أصبحنا نحفظ عن ظهر قلب بلاغة ياسر عرفات. أسد، المزايد على الوطنية، أيد أطروحات السادات ليس من أجل تحرير الجولان، ولكن ليحتوي، هو أيضا، قلق جيشه. كان الجولان بالنسبة له بترول سوريا، ودون الجولان سيتوقف المن النفطي القادم من دول الخليج والسعودية، سينهار اقتصاد البلد، وسيقل الإثراء الشخصي للصوص النظام.

يتبع...

ترجمة الدكتورة بريجيت بوردو - مونتريال

أفنان القاسم: دفاعا عن الشعب الفلسطيني، كيف ولماذا تمت فبركة ياسر عرفات؟، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 25 - 29.

www.parisjerusalem.net

Views: 30

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)