Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

آه من عادة الإرجاء الدائمة هذه!

بروست

 

كنت أذهب تحت السماء، يا ملهمتي! وكنت الوفي لك.

رامبو

 

هيغل على حق أن يقول إن الفكر والكون في تغيير دائم، ولكنه يخطئ حينما يؤكد أن التغييرات في الأفكار هي التي تحدد التغييرات في الأشياء. إنها، على العكس، الأشياء هي التي تعطينا الأفكار، وتتغير الأفكار لأن الأشياء تتغير.

ماركس وإنغلز

 

 

 

الجزائر 1962

منتصف الليل. أربع وعشرون دقة. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل وثلاث دقائق. السماء ليلكية. معسكر جزائري يقوم على المرتفعات، وآخر، فرنسي، في السهل. الريح تحرك أغصان شجرة عارية. في وسط السفح، تعصف بخيمة تريد اقتلاعها. الأوتاد تقاوم بشدة. واوي يعوي مرتين. ثلاث طلقات تدوي.

في لباس الفهد الإفريقي، الوفي يفكر واقفًا في الخيمة، قرب فانوس. الملهمة تنبثق من الهالة، جسدها العاري يلفه ساري أزرق. تطفئ الفانوس. المدفأة ترسل لهبها من بابها الصغير المفتوح. الملهمة تذهب لتنظر في عيني الوفيّ المومضتين. للوفيّ نظرة شرسة.

الوفيّ يسأل الملهمة بصوت خافت:

- لماذا أطفأت الضوء؟

تجيب هامسة:

- إنهم على المرتفعات.

يصحهها:

- إنهم في السهل.

الملهمة تعيد:

- إنهم على المرتفعات.

- وماذا يعني ذلك؟

- إنهم على المرتفعات.

- الخيمة مغلقة تمام الإغلاق. لا ضوء يمكنه الهرب منها.

- صه! إنهم على المرتفعات.

- المرتفعات بعيدة.

- من الواجب الحذر، كل الحذر.

- ولكني... لا أراك، يا ملهمتي.

- لتقف الأفكار الاعتباطية!

- ولكنك لم تعودي تلهمينني.

- لتقف الأفكار الزائدة!

- لم أعد أستطيع رؤيتك.

- أما أنا، فأراك كما كنت أراك. لك عينان تومضان وميضًا شرسًا كالواوي الضائع في الظلام.

- أنت لن تفلتي مني.

- ستجد أفكارك بعيدًا عني.

- ستظلين لي دومًا.

- ستظل دومًا مستقلاً عني.

- سأظل دومًا متوقفًا عليك، ولكني سأتظاهر بفعل ما أشاء بحريتي، لأتغلب على كل صعوبة تعيق فعلي، تمامًا كمن يصحو بعد نوم طويل، ولما لا يجد سوى الحطام من حوله، يجمع ذاته، يجمع حريته، ويقرر إعادة خلق العالم. إلا أن في هذه اللحظات الكارثية، حريته ليست حقيقية. عندئذ، يفكر كما لو كان حرًا، ليجيد العمل المفروض عليه، ويستعيد بعد ذلك حريته، حريته الحقيقية.

- أن نفكر؟ ليس الشيء نفسه عندما لا نرى، عندما لا يكون عالم الحرية حرًا.

- بلى، الشيء نفسه، بالقياس إلى أن التغييرات في الأفكار هي التي تغير العالم.

- التغييرات في الأفكار هي التي تغير العالم أم التغييرات في العالم هي التي تغير الأفكار؟

- التغييرات في الأفكار.

- التغييرات في الأفكار، هذا، سنرى.

لحظة صمت. الملهمة تحس بجسد الوفيّ يلتصق بها. تسأل:

- أنت خائف؟

- لا، لماذا؟

- أنت ترتعش.

- أنت التي ترتعشين. أشعلي قليلاً.

- لا شيء يُرى، ما عدا الخوف الذي يلفك.

- الخوف؟

- لا ترتعش، أنا هنا.

- أقول لك أنت التي ترتعشين.

ينفخ، ويبدأ بالتصبب. تقول الملهمة:

- منذ قليل، أطلقوا ثلاث مرات.

- لم أسمع شيئًا. كنت ضائعًا في أفكاري. أنت متأكدة؟

- أنا متأكدة.

- هل هم الرفاق؟ الرصاصات الثلاث التي انطلقت منذ قليل، رصاصات الرفاق؟

- لا أظن.

- ما الذي يجعلك تعرفين؟

- أعرف.

- حقًا؟

- حقًا.

- حقًا، حقًا؟

- حقًا، حقًا.

- كيف تعرفين؟

- لم يكن لا الوقت ولا المكان.

- ربما اكتشفهم أعداؤنا الذين في السهل، وهم في الطريق، قبل الأوان.

- لا أظن.

- لا تظنين؟

- لا أظن.

- ولماذا لا تظنين؟

- لأن الرصاصات أطلقت من المرتفعات، والرفاق كان السهل وجهتهم، وهم لم ينطلقوا إلا منذ قليل.

- صحيح كلامك.

- إذا تم كل شيء على ما يرام، تجدهم يتجهون الآن إلى البئر.

- إذا تم كل شيء على ما يرام!

- إذا لم تحوّل الرصاصات الثلاث التي أطلقت من معسكرنا ثلاثة من رفاقنا إلى ثلاث جثث.

- كل شيء على ما يرام، لا تقلقي. من هم يعارضون خطتي ليسوا سوى قلة قليلة، ورفاقنا هم من القدرة على الدفاع عن أنفسهم. سيفجرون البئر، وينجزون مهمتهم على أكمل وجه: سيموت الجنود الفرنسيون من الظمأ.

الريح تزأر بوحشية. الملهمة تضع حجرًا على طرف الخيمة التي تهتز. الملهمة تقول دون أن تغادر مكانها:

- في الخارج، السماء ليلكية.

- هل ترين جيدًا حتى في الظلام؟

- نعم، أرى جيدًا.

- لماذا ترين جيدًا حتى في الظلام؟

- لأنني أعرف أنه ليس وقت الليلك، ومع ذلك، السماء ليلكية أقرب إلى زهرية.

- كيف تعرفين؟

- تسلل ضوء بنفسجي من هنا.

- لم ألاحظ شيئًا، وأنا دومًا لا أراك.

- بانتظار أن ترى من جديد وجيدًا كما يجب، يكفي أن أراك، أنا، ملهمتك، أن أراقبك، أن أكون هنا عند فكرتك القادمة.

- هذا غريب!

- ماذا؟

- أن تكوني الوحيدة التي ترى، التي تراني، في اللحظة التي لا أرغب فيها في التفكير.

- لا شيء غريب في هذا. أُظهر نفسي بدلاً من أن أخفيها، بانتظار فكرة جديدة، فكرة متماسكة، ملائمة، راسخة في الواقع. آه! عندما أفكر أنني خارج عقلك، وأنني أحس بكل ما هو مفروض أنك تحس به. هل تسمع زئير الريح؟

لأول مرة منذ بداية حديثهم، يتكلمان بصوت عادي. الوفيّ يصيح وكله دهشة:

- الريح تواصل الزئير؟

- تزأر... تزأر...

- عليّ الاعتراف بأنني لا أسمعه، أنا لا أسمع زئير الريح.

- إذن، أن تغرق في الفكر أو لا تغرق، تداوم على عدم سماع ما يجري في الخارج.

- لا، لا طلقات نارية، ولا زئير الريح، ولا شيء. لا أسمع سوى صوتك.

- تداوم على عدم رؤية ما يجري في الداخل.

- لا، لا ساريك الأزرق، ولا جسدك العاري، ولا شيء. لا أرى سوى صورتك السوداء.

- سأناديك إذن، سأرفعك من الهاوية.

تبتعد عنه، لكنه يأخذ بالصراخ:

- يا ملهمة! عودي إليّ! انبثقي كالنار، واحرقيني، احرقي الكون! لا تكوني عديمة الجدوى.

تعود بسرعة لتأخذه بين ذراعيها. الوفيّ يوضح:

- أنا إلى جانبك، صاحٍ أتم الصحو، ومع ذلك، يبدو لي أن كل أحاسيسي غافية.

- حتى هذه اللحظة.

- دعيني أنظر إلى السماء.

تذهب معه لتفتح الخيمة، يخرج رأسه. فوق رأسه السماء ترسل غيمًا قاتمًا، ليلكًا أسود. يلاحظ، وهو يغلق الخيمة، وهو يعتمد على الملهمة:

- أنا لا أرى شيئًا لا خارج الخيمة ولا داخلها، أنا لا أراك كما كنت لا أراك. بالنسبة لي، كل شيء يغرق في الظلام. ابتعدي عني!

الملهمة تقف أمامه، وتسمع صحن أسنانه. تسأله:

- ما لك؟

صمت. الملهمة تعود إلى القول:

- عندما يغدو العالم نارًا، سيكون كل حاضري مستقبلك، أنت، يا إله الحرب والحب.

- إله الحب، أنا! قلت لي إن نظرتي لهي من الرداءة كنظرة واوي ضائع.

- أيًا كان مظهرك، ستبقي على حضورك، ستبقى وفيي! ولكن وفيًا هو حقًا وفيّ.

- لأنني لست وفيًا؟

- حتى هذه اللحظة.

- ما يهمني في هذه اللحظة أن أراك لأراني. أحقًا أن نظراتي بشراسة نظرات الواوي الضائع؟

- حقًا.

- سأنقذف إذن في نظرتك. لكن هذا ليس كافيًا. اشتعلي!

السماء ترسل برقها ورعدها، ليلك النار.

- اشتعلي!

تعانقه.

- احترقي!

برق على برق، ورعد على رعد.

- احرقيني! تصحو أحاسيسي في محيط من الظلام...

برق ورعد وريح تزأر. يضيف الوفيّ:

- وللمرة الأولى أسمع زئير الريح ورعد البرق. أدرك كل ما يجري في الخارج، في عالم أسود.

- في عالم أسود، أسود كله؟

- نعم، عالم كله أسود.

- عدت إلى سماع كل شيء، لكنك لم تزل ترى أسود كل شيء؟

- نعم، أرى كل شيء أسود.

- عميق هو إذن الظلام؟

- نعم، هو ظلام عميق.

- بالنسبة لك، الظلام عميق دومًا، في اللحظة التي تدرك فيها كل شيء في الخارج. إذن لا فائدة من ذلك.

- لا أهمية لما أرى بالنسبة لما أدرك.

- لا أهمية، حقًا؟

- نعم، لا أهمية، حقًا.

- حقًا، حقًا؟

- حقًا، حقًا.

- حقًا يخيم الليل، ولكن أي ليل؟

- أي نهار؟

- والحق متى يبزغ الفجر؟

- لن يغير ذلك من الأمر شيئًا.

- بلى.

- لا أظن، لأن النهار سيتبعه الظلام.

- وأمرنا؟ حالتنا؟ ستتغير، حالتنا.

- لا أظن، لأن كل شيء يتوقف على أفكارنا، أفكار مجردة، في الظروف الحاضرة، من كل سلطة على الأشياء.

- مجردة من كل سلطة على الأشياء، حقًا؟

- نعم، مجردة من كل شيء على الأشياء، حقًا.

- حقًا، حقًا؟

- حقًا، حقًا.

- وأنا أقول لك إن كل شيء يتوقف على الحالة التي نوجد فيها، على حالة الأشياء التي تحيط بنا، كل شيء يتوقف على الضوء، على الظلام، على حدة الواحد والآخر. في البداية نتكيف، وبعد ذلك نفكر بشكل أفضل.

- الضوء والظلام هما شيء واحد.

- الضوء والظلام ليسا شيئًا واحدًا.

بما أن الوفيّ لم يعد يريد النقاش، يجلس، ويحتفظ بالصمت. الصمت يجتاح كل شيء: لم يعد هناك لا رعد يرعد ولا ريح تزأر. بعد قليل، تعود الملهمة إلى القول:

- الضوء والظلام ليسا شيئًا واحدًا. يمكن للاثنان أن يجتاحا كل شيء، لكن الضوء يبقى الضوء، والظلام الظلام. مع ذلك، هما يُدْرَكان بشكل مختلف، إنهما أصل فكرتين مختلفتين، من وراء سلوكين متميزين. إنهما حصيلة الحياة والموت، موتنا.

الوفيّ يبقى صامتًا. تعيد الملهمة:

- موتنا.

الوفيّ يبقى صامتًا. الملهمة تجلس إلى جانبه. تلح:

- موتنا.

يقول في الأخير:

- لا تقلقي نفسك. المهم هو أن تتحقق فكرتي عن مولد الفجر أولاً، وسنرى بعد ذلك ما يمكننا فعله في وجه الحياة، في وجه الموت، في وجه موتنا. بالمقابل، لحلكة الظلام، يمكن لليل أن يدوم، وللفجر ألا يجيء أبدًا.

الريح تهب من جديد، دعام الخيمة يئن. يقترب منها، ويلتصق بجسدها. تحس بلحمه ينفتح كشفة. يهمس الوفيّ في أذن الملهمة:

- ساعة العملية تقترب. هل هو الوقت؟ للتنبؤ...

الملهمة تقاطعه:

- لقول، يجب أن تقول "لقول".

- للتنبؤ بالأحداث...

- لقول الأحداث. دعني أقول لك هذه الأحداث على إيقاع الوقت، كما أفترض أنها ستقع.

ترفع عينيها إلى الساعة، وتنظر إلى الوقت، وتعلن:

- الساعة الواحدة إلا دقيقة واحدة.

- تبقى دقيقة واحدة.

- وسيحصل انفجار.

- وستُهدم البئر.

- وستهوي شجرة زيتون.

- وسيحترق حقل زيتون.

- وسيشب حريق هائل.

- وسيشتعل الليل. نار ضخمة ستصل المرتفعات.

- وستتساقط جدران المعسكر الفرنسي.

- وستعتم النار قلوبهم أكثر.

- وعلى الرغم من كل هذه النار، كل هذا الضوء، سيرون الليل أسود، مثلك.

- وسيشعلون الأضواء الكشافة.

- سيشعلون الأضواء الكشافة.

- وبعد ذلك؟

- سيشعلون الأضواء الكشافة.

- لكن وبعد ذلك؟

- سيشعلون الأضواء الكشافة.

- لكن وبعد ذلك، أسألك؟

- لست أدري ماذا سيحصل بعد ذلك. لا أستطيع أن أرى ما سيحصل في ضوء الكشافات. قل لي، أنت، ماذا سيحصل بعد ذلك.

- سيعود الرفاق بعد ذلك.

- على الرغم من ضوء الكشافات؟

- طز في الكشافات!

- طز في الكشافات!

- سيعود الرفاق، وكفى.

- وإذا لم يعودوا؟ إذا أعاقتهم الكشافات عن العودة؟

- طز في الكشافات!

- ألف طز في الكشافات!

- نعم، ألف طز!

شحنة حادة من الطلقات المتتالية، الريح تعود إلى الزئير بأقوى ما يكون. الوفيّ يهتف:

- إنه الوقت.

الملهمة لا تحرك ساكنًا. الوفيّ يعيد مُهَيَّجًا:

- إنه الوقت! إنه الوقت!

الملهمة تحس بلحم الوفيّ يسخن كالجمر. تزلق بين ذراعيه كالأفعى. لا يحتمل بعد الحرارة، فيدفعها عنه. يقول أيضًا:

- إنه الوقت!

الملهمة توبخه:

- اخرس!

- ما لك؟

- تم التخلي عن رفاقنا.

طلقات أخرى تدوي.

- ماذا تقولين؟

- اسمع جيدًا.

- أن أسمع ماذا؟ إنه الوقت.

- إنه الوقت، ولكن ليسوا هم الذين يطلقون.

طلقات النار تدوي في كل مكان.

- ماذا تعنين؟

- يطلقون عليهم النار من كل مكان. لو كانوا هم لسمعنا انفجار البئر.

طلقات النار تتوقف. الريح تهدأ. جسد الوفيّ يتجمد. الوفيّ يهمس:

- أشعر بالبرد.

- اسمح لي أن أدفئك.

- لا! ابتعدي!

- أنت تتألم لأجل رفاقنا! أنا لن أتخلى عنك!

- قلت لك لا!

- أرجوك!

- أنت التي تتألمين، أنت التي تحتاجين إلى عناقي.

- أرجوك!

- اتركيني بسلام!

صمت طويل. الوفيّ يأخذ بالارتعاش. لديه ارتعاشات مهولة، ويَغَصُّ.

- كل منا يتعذب عذابه الخاص به.

- كل منا يتعذب على طريقته، لكننا نشعر بذات المشاعر.

- كل منا يشعر بمشاعره الخاصة به. تعال، لنختلط فيما بيننا. أنت لست قِنّي، أنا لست سيدتك. اقترب! ضمني! قلت لك ضمني!

يضمها قليلاً، ثم قويًا جدًا. تقبله بملاسة، ثم بشراسة، حتى تكاد تخنقه.

 

منتصف الليل. أربع وعشرون دقة. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل وثلاث دقائق. السماء فضية. القمر فانوس ياسمين. المعسكران يغرقان في بحر من الضوء. الأشجار العارية من زجاج. جثث الرفاق المقتولين هنا وهناك. الخيمة منحوتة في الليل. كل شيء مجمد. الملهمة والوفيّ يستيقظان. هما عاريان في سريرهما.

الوفيّ يقول:

- الظلام دومًا ها هنا.

الملهمة تقول:

- كيف استطعنا النوم كل النهار ونصف الليل؟

- وكأنني لم أنم. الظلام بالنسبة لي ها هنا دومًا. حالتي هي نفسها دومًا.

- ليس تمامًا، بما أن رفاقنا اغتيلوا. ومع ذلك، أصدرتَ أمرًا قبل النوم ليفجر رفاق آخرون البئر ولينتبهوا جيدًا على أنفسهم. العيارات النارية الثلاثة التي أطلقت من معسكرنا يمكن أن تكون شيئًا ككلمة سر.

- نعم، يمكن أن تكون.

- العيارات النارية الثلاثة أطلقت من معسكرنا، قبل تنفيذ العملية بكثير.

- ليس هذه المرة.

- ربما للتكتيك. لقد أعاقت تنفيذ العملية في الساعة المحددة.

- لم تعقها، وإنما أجلتها.

- بالطبع، أجلتها، ولكن...

- لن تعيق تنفيذ عملية يتوقف عليها مستقبل الثورة. الآن رفاقنا الآخرون في طريقهم إلى البئر.

- تريد القول إلى مجزرة أخرى.

- مجزرة أم غير مجزرة، أنا عازم على تفجير البئر.

- رغم واقع أن رفاقنا قد اغتيلوا؟

- رغم واقع أن رفاقنا قد اغتيلوا.

- رغم هذا الواقع الجديد؟

- رغم كل شيء. وعملية البئر بالأحرى سهلة.

- خطأ! عملية البئر صعبة، صعبة جدًا!

- أفي ظنك صعبة؟ صعبة جدًا؟

- نعم، صعبة جدًا.

صمت. ثم الوفيّ يسأل:

- لو دككنا البئر، هل تعرفين ماذا سيقع؟ سيموت من الظمأ، الجنود الفرنسيون. كما تعرفين، إنها وسيلة تزويدهم الوحيدة بالماء.

يخرج الوفيّ من السرير، والملهمة أيضًا. يصيح:

- يا للفرح! يا لمتعة النجاح!

يرقص معها كما لو كان يرى، يقهقه.

- نعم، يا لفرح الانتصار! يا للمتعة!

وفجأة:

- لكنّ المتواطئين مع الفرنسيين في معسكرنا يدركون ما سيقع.

- لقد فطنوا إلى ذلك منذ زمن طويل.

- إذن مرة أخرى لن يستطيع رفاقنا تنفيذ مهمتهم.

- أشك في ذلك.

- تشكين في ذلك؟

- أشك في ذلك.

- كنت تشكين أيضًا مع الأوائل، ومع ذلك، كنت ترين.

- هذا صحيح.

- لماذا إذن جازفت بحياتهم؟

- كان علينا، على كل حال، أن نحاول شيئًا. أما عن المجازفة بحياتهم، ظروف كهذه تبدل كل شيء.

- أعرف، لكني أخاف عليهم. أخاف عليهم من أن يمسهم سوء.

- وأنا أيضًا.

- وأنتِ أيضًا.

- أنت لا ترى، ومع ذلك قررت القرار نفسه.

- هذا صحيح.

- لماذا؟

- لأنني لا أرى.

- أنت تعترف.

- ليس تمامًا.

- إذن لماذا؟

- لأنني لا أرى سوى ما أريد أن أرى.

- ستدمرهم. ستدمرنا.

- عليّ أن أحاول شيئًا.

- على الرغم من هذه الحقيقة البالغة: موت رفاقنا خلال المهمة السابقة؟

- على الرغم من كل شيء.

الملهمة تلتف بساريها الأزرق، وتريد فتح الخيمة. الوفيّ يعود إلى السرير بسرعة، ويناديها. ينذرها. يصيح:

- عودي إلى السرير! حذار! لا تفتحي!

الملهمة تجيب:

- ولكني لا أعرض نفسنا لأي خطر، كل شيء منطفئ في الخيمة.

- بما أنني لا أرى دومًا، هذا لا يبدل شيئًا بالنسبة لي، ولكن بالنسبة لك...

- لا تقلق من أجلي، طالما كل شيء منطفئ في الخيمة.

الملهمة تريد الخروج. الوفيّ يقول في ظهرها:

- يريد الرفاق تنفيذ العملية بالقدر الذي أريده.

تتوقف ولا تجيب. يعيد:

- هل تسمعينني؟ يرغب الرفاق في تنفيذ العملية بكل جوارحهم، فلديهم الثقة بثورتنا.

- لديهم الثقة بثورتنا، ثقة عمياء، هكذا. كل شيء يتغير عندما يكون هناك واقع جديد، حتى الثورة.

- لا، ليس كل شيء، ليس قبل أن يتغير فينا. وإذا وجب على التغيير أن يقع، سيقع على كل حال. إذن هذا أمر محتوم، لا يمكن تفاديه.

تسأل الملهمة، وهي تدير ظهرها دومًا:

- ما هو هذا الأمر المحتوم؟

- أن يخاطروا بحياتهم.

- إنه الجنون بعينه.

- على العكس، إنها الحكمة بعينها.

- لست على اتفاق معك.

- هل أنت ملهمة أخلاقية أم إلهة مادية تعارض وفيّها دون توقف؟

تتردد. ثم:

- لست هذه ولا تلك، ولكن الحقيقة كما يجب عليها أن تكون.

يناديها وهي على وشك مغادرة الخيمة:

- هيه! يا ملهمة!

تتوقف دون أن تجيب.

- كم الساعة؟

لا تجيب.

- الساعة الواحدة إلا دقيقة واحدة، أليس كذلك؟

لا تجيب، وتخرج. يخاف، ويشعر بكونه وحيدًا. الحمى تجتاحه من جديد. القشعريرة لا تفارقه. يعرق، وأسنانه تصطك. ثلاثة عيارات نارية يتبعها صمت قصير، ثم عيارات نارية أخرى في رشقات متواترة. يصرخ، ويئن. يغلق أذنيه، ينهض، ويعتمد على دِعام الخيمة، كالمجنون. قنابل تتفجر. يضم الدِّعام بقوة. قنابل أخرى، طلقات أخرى، وأخرى. يلوي الدِّعام، يتخبط، ويعود إلى الصراخ. يواصل الصراخ، النداء، الصراخ...

 

منتصف الليل. أربع وعشرون دقة. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل وثلاث دقائق. السماء كربونية. الغيوم ثقيلة. الأضواء خافتة على المرتفعات وغائبة في السهل. جثث الرفاق الذين وقعوا في كمين تضاعف عددها. يغرقون في بحر من الدم الأسود. على السفح الأعشاب سوداء. الملهمة تقتلع قبضة منها. تنشق الحزن الأسود. تنظر نحو المرتفعات، ثم تدخل الخيمة. تذهب نحو الوفيّ الذي ينطوي على نفسه.

الملهمة تسأل:

- هل أصدرت أوامرك من جديد؟

الوفيّ يجيب وهو ينهض نهوض الرجل الميكانيكي أمام الملهمة:

- نعم، أصدرتها.

- إذن رفاق آخرون هم في الطريق ليدمروا أنفسهم.

- ليدمروا البئر.

- إذن ليس هذا سوى إرجاء بالنسبة لك.

- جبريّ. يجب القول، إرجاء جبريّ. وإرجاء جبري يبقى إرجاء، يبقى طالما لم تنفذ العملية. آه! لو باستطاعتي تفادي أن يكون دائمًا.

- بما أنك لست متأكدًا من شيء، لماذا تخاطر مرة أخرى بحياتهم؟

- يجب ذلك. لن يكون هناك إرجاء هذه المرة. لن يعيقوا رفاقنا من إنجاز العملية هذه المرة. سننجح هذه المرة.

- لا أظن.

- سيكون الأمر حاسمًا هذه المرة. لا تنسي أنها المجموعة الأخيرة، الرفاق الأخيرون الذين بقوا.

- بعدهم، لن يبقى أحد سوانا.

- ماذا يمكننا أن نفعل، أنا وأنت؟ تعرفين جيدًا أنني كالأعمى، وأن الظلام بالنسبة لي حالك دومًا.

- سأقودك على الطريق الذي كان يجب عليك أخذها منذ اغتيال رفاقنا الأوائل.

- على طريق الموت؟

- على طريق الحرية. ولندافع عن أنفسنا، سنحمل سلاحين.

- كيف سأرى هدفي؟

- ستضرب كيفما تشاء، المهم أن تضرب.

- هل سأصيب؟

- على طريق الحرية، سيكون كل إخوتنا الأعداء هناك، سيهاجموننا من كل جانب.

- سنصعد إذن المرتفعات.

- كانت الطريق التي من اللازم أخذها منذ البداية: الإنهاء على الخونة المتواطئين شركاء العدو. كان من اللازم التفكير في هذا. كان من اللازم العمل بهذا الشكل لنحفظنا ونحفظ الثورة. كل شيء يبدأ بهذا التغيير الراديكالي في إستراتيجيتنا وكل الأفكار الجديدة تبنى عليها.

أمام صمته، الملهمة تمد يدها أمام عيني الوفيّ، وتلمس له وجنته. تقرص ذقنه، وتجس شفتيه. يتركها تفعل. تعتقد: هذا لأنه يؤيدها بشكل من الأشكال. تقول له:

- في الوقت الحاضر، هم الأكثر علينا، سيجيئون إلى قتالنا بعدد كبير، وستصيب أول هدف لك. ثم ستشن حربك في السهل، وتصيب هدفك الثاني.

- والبئر؟

- ستبقى البئر على حالها. سنجعل من نبعها حياتنا الأبدية بعد الموت.

- كم أنت متشائمة! لماذا أنت متشائمة إلى هذه الدرجة؟ لكن الرفاق سينجزون مهمتهم هذه المرة.

- لا أظن، ومع ذلك، اعتقدت منذ قليل أنك توافقني.

صمت. ثم الوفيّ يقول:

- أتدرين؟

- ماذا؟

- بدأت أعتاد هذا الظلام من حولي، أعتاد صورتك السوداء.

- ليس من اللازم.

تأخذ وجهه بين يديها، تضعه بين نهديها، وتقود فمه إلى حلمتها، فيمسها بشفتيه المرتعشتين مسًا خفيفًا... عيارات نارية تدوي. تأتي من المرتفعات ومن السهل. تسحبه من ذراعه، وتختبئ معه خلف السرير. تُهاجَم الخيمة في الوقت الذي يُهاجَم فيه الرفاق. كلاهما خائف. الطلقات تصفر في أذنيهما. ينحنيان حتى يلامسا بجبهتهما الأرض. طلقات أخرى تئز. ينامان على بطنهما. طلقات أخرى وأخرى. يصعد أحدهما على الآخر ولا يعودان يشكلان سوى جسد واحد مع الفضاء.

يقبلان بعضهما بقوة بالغة بينما تدوي الطلقات دون توقف. يتدحرجان على الأرض بعد أن توقفا عن تقبيل بعضهما، ولم يعودا يفكران في الخطر المحدق بهما. الطلقات لا تتوقف لحظة واحدة.

 

منتصف الليل. أربع وعشرون دقة. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل وثلاث دقائق. لا سماء، لا معسكر، لا ضوء. لا شيء غير ليل ثقيل. كتل سوداء. من الخارج، الخيمة تشكل لطخة سوداء. الداخل ضاو. الملهمة تحاول رفع الدِّعام المعقوف خوفًا من سقوطه. الوفيّ يرتدي بزة الحرب بحركات عزومة.

الملهمة تقول:

- منتصف الليل وثلاث دقائق.

- أعرف.

- كيف تعرف؟ أنت لا يمكنك رؤية العقرب الكبير، ولا شيء حولك على الرغم من الضوء، في عينيك دومًا هذا الظلام المُعمي.

- أشعر به لدرجة حزره. أمس، معك، كنت المكان. اليوم، معك دومًا، أنا الزمان.

الوفيّ ينتهي من الارتداء. يتنهد:

- إرجاء آخر.

- نعم، إرجاء آخر. يوشك أن يغدو ذلك عادة مهينة.

تتأكد من أن الدعام لن يسقط. تسأل:

- هل تلح من أجل إنجاز العملية؟

- بالطبع ألح. إذا دمرنا البئر، مات الجنود الفرنسيين من الظمأ، وانتصرت الثورة.

- ولكن لا مخرج لذلك.

- تدمير البئر؟

- نعم. فانتازيا المقاوم، أمر شخصي حتى اليأس.

- أنا لا أفهم.

- إذا أردنا تدمير البئر، فمن الواجب أولاً الإنهاء على من يدافعون عنه في المعسكرين، الخونة من عندنا والجنود من عندهم. سبق لنا وتكلمنا في الأمر.

- ولكنه لمن الجنون.

- على العكس، الحكمة بعينها.

- لست متفقًا معك.

- تدمير البئر، لقد حاولنا ذلك عدة مرات، أليس كذلك؟

- نعم.

- وماذا كانت النتيجة؟

- إرجاء جبري في كل مرة.

- ثم، لماذا تدمير البئر؟ سنجعل من نبعه حياتنا الأبدية بعد الموت. هل نسيت؟

- لا، لم أنس.

الملهمة تسحب الوفيّ من ذراعه، وتنذره بدافع هذه الفكرة التي تخفق كالقلب:

- تعال نُصَفِّ هؤلاء المتواطئين والخونة أولاً.

- سيدعمهم الجنود الفرنسيون الواقفون في السهل.

- فلننزل إلى السهل إذن ولنبدأ بأولئك الشياطين من الجنود الفرنسيين.

- سيدعمهم الخونة والمتواطئون.

- أنا، سأُعنى بالخونة، وأنت، بالجنود الفرنسيين.

- إنه الجنون بعينه. سيكونون ألفًا ضد واحد.

- فلنلجأ إلى الحيلة.

- لم تبق حيلة هناك. هم الأكثر حيلة.

- لنتصل بقوة ثالثة.

- ستنبذنا الثورة، وسيكون كل الجبل ضدنا.

- لنخض إذن غمار القتال والذي يجري يجري.

- لن يكون قتالاً وإنما انتحار.

- قتال أم انتحار، أنا أسخر من الأول والثاني. لنهاجم، ولنغسل أرواحنا من العفونة.

- ملهمة ثورية مثلك، أنا لم أر واحدة في حياتي.

- لنخدع تيقظ الجنود الفرنسيين ولنصعد المرتفعات. الليل عميق، والظلام حالك، سيكون كلاهما معنا متواطئًا.

- أنا أرفض. اذهبي وحدك.

- اسمعني!

تأخذه من يديه قبل أن تتابع:

- إنه الحل الوحيد الذي يبقى لنا، الحل الأخير. لنصعد المرتفعات.

- فنخاطر بحياتنا؟

- أغلى لحظات الحياة لا تُنال إلا عند المخاطرة بحياتنا.

- أعرف أن المخاطرة شرط كل نجاح، ولكن...

تأخذه بين ذراعيها:

- ليس هناك من لكن. لنصعد المرتفعات، وإلا تركتك، نعم، تركتك، وإلا تركتك وحدك مقابل الموت! لا تنس أنك أعمى.

- كأعمى.

- أعمى أو كأعمى، الآن ولم تعد ترى، حتى في الضوء، الأمر سواء.

- ليس الأمر سواء ما بقي وقت يسيل.

- بما أنك تقوله، فلنذهب إذن.

تقترب بفمها من فمه قبل أن تضيف:

- لا تكن قاسيًا.

- اذهبي وحدك إذا كنت تصرين على ذلك.

- كنت سأذهب وحدي، لكني لا أستطيع دونك شيئًا. تعلم، في هذه اللحظات الصعبة، أنك قوتي.

- إذن القرار قراري، وعليك الإذعان.

الملهمة تتركه، وتعطيه ظهرها. تتجه إلى الدِّعام، وتعتمد عليه. صمت طويل. تبكي. الوفيّ يأخذها بين ذراعيه، وهو يتلمس طريقه كالأعمى، ويلعق دموعها. يقبلها من عنقها، ويأخذه الانخطاف والذهول. يصيح:

- لنصعد المرتفعات.

تردد:

- يا عزيزي! يا عزيزي!

- وقتي، أيامي، حياتي، لأجلك، ولأجل دمعك سأواجه الخطر، وأستخف بالموت، سأحتقره، لا شيء إلا لأجلك، لأجل دمعك! وبإرادة صماء أعطي فيها نفسي أفضل ما يكون العطاء وأكثر ما يكون العطاء، سأجرؤ على ما لم أعتقد أنه من الممكن لي أن أجرؤ عليه!

- يا عزيزي! يا عزيزي!

تقبله من فمه ثم من عنقه. تفتح قميصه، وتتناول حلمته بين أسنانها. تسقط بشفتيها حتى بطنه، لكنها لا تتمكن من فتح حزامه. يرفعها، ويعانقها. قبل أن يتركا الخيمة، تعطيه سلاحًا، وتأخذ آخر. يحملان عددًا وافرًا من القنابل والمتفجرات.

الملهمة ووفيّها يتركان الخيمة ويقومان بدورة كبيرة على طريق متعرجة قبل أن يطلعا المرتفعات بعناء. بروق ورعود. يضيعان في الظلام ثم يظهران كمن يلقي بهما البرق. عيارات نارية تدوي في ظهريهما وهما على بعد خطوتين من المعسكر الجزائري. تشتعل الأضواء الكشافة على المرتفعات.

الملهمة ووفيّها ينجحان في قذف بعض أصابع ديناميت. ثكنة تدق فيها النار. ثوار يصرخون ويطلقون. الملهمة والوفيّ يصيبان بعضهم، إلا أن الرصاص يمطر عليهما من كل صوب. يقاتلان بشجاعة مُثلى ثم يتركان نفسيهما يغرقان في هاوية، خرم أسود مفعم بالرعد والمطر. يعودان إلى قلب الأرض. الملهمة تتعلق بصخرة. الوفي بغصن. مطر وريح. عاصفة.

 

منتصف الليل. أربع وعشرون دقة. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل وثلاث دقائق. المطر يهطل مدرارًا على المعسكرين. طين ثخين يتشكل. أثار بساطير على الأرض. تذهب حتى الخيمة. في الداخل، جنديان فرنسيان وكذلك ضابط يحمل الفانوس يحيطون بالملهمة الجالسة وراء طاولة تطوى.

الضابط يملي بنبرة تعسفية:

- وقعي!

الملهمة تطلب إلى الضابط الفرنسي:

- كيف تريد أن أوقع على هذه الوثيقة بينما على الوفيّ أن يوقعها؟

- أنت ملهمته. ضعي توقيعك، كما لو كان هو.

- لكني لا أستطيع التوقيع مكانه. أينه؟ هو، يمكنه التوقيع، وعيناه مغمضتان. بينما أنا، معه أو دونه، لم أصنع إلا للإلهام. هذا هو الدور الكبير المحدد لوجودي، وإن كان وهميًا.

- وإن كان حقيقيًا.

- الآن أعترف أن الأمر واحد سواء أكان وهميًا أم حقيقيًا. كان من اللازم أن أُلقى خارج الزمن لأفهم أن الحياة في هذا البلد معاناة تفوق كل خيال.

الضابط الفرنسي يضع قلمًا بين أصابع الملهمة:

- وقعي!

- على ماذا؟

- على هذه الوثيقة، يجيب الضابط الفرنسي ضاربًا على الطاولة.

- أعرف أن على هذه الوثيقة يجب التوقيع. قل لي بالأحرى ما فحوى هذه الوثيقة.

- وقعي أولاً، وسنقول لك فيما بعد.

- هل هذا بشأن البئر؟

الجنديان يريدان ضربها بعقب البندقية، فيوقفهما الضابط بحركة من يده. يصرخ:

- ستوقعين نعم أم لا، يا ماخور!

القلم يهتز بين أصابع الملهمة. تتركه يسقط. تقول بصوت متماسك:

- لن أوقع على هذه الورقة. طالما أن وفيّي لا يعطيني الإذن، لن أوقع.

الضابط الفرنسي يقترب بالفانوس أقرب ما يكون من وجه الملهمة. يهمهم:

- يا له من وجه جميل، وجهك! يا لها من متعة ما بعدها متعة أن يتمرّى المرء في عينيك! من الخسارة أن نحرمهما من الضوء. وقعي أو أترك جندييّ يفقآنهما لك بموسيهما. من اللازم التوقيع بالأحرف الأولى على هذه الوثيقة. لا خيار لك. يجب التوقيع.

الملهمة لم تعد تتردد. تأخذ القلم، وتخربش "الوفيّ". يختطف الضابط الفرنسي الورقة منها، ويصيح:

- الوفيّ!

- هو قائدي، لنقل، كان قائدي. حتى هذه اللحظة لا قائد لي غيره، رغم غيابه. هو أنا وأنا هو. حتى هذه اللحظة.

الجندي الفرنسي الأول يجذبها إليه.

- وأنا، ماذا أكون؟ شفتيك ربما!

يحاول تقبيلها. الجندي الثاني يأخذها بين ذراعيه.

- أنا، أنفك!

يحاول أن يعضه لها.

- هل تشمين ما أشم؟

يصرخ الضابط بجندييه:

- لا تكونا مضحكين!

الجندي لا يترك الملهمة. يحك أنفه بأنفها. يعود إلى السؤال:

- هل تشمين ما أشم؟

- أشم رائحة الحرب التي مع الأسف لا تشمها. رائحة كريهة، أسوأ من كل شيء.

يأخذ يدها، ويجبرها على لمس عضوه.

- وهذا، هل له رائحة الحرب أيضًا؟

تدفعه دفعة قوية، وتذهب للبكاء على كتف الضابط. الضابط يحذره:

- أمنعك من لمسها. هي تحت حمايتي.

الملهمة ترميه بنظرة خائفة. تهمس في أذنه:

- أحبك.

تقبله. يتراجع الجنديان إلى زاوية. تردد:

- أحبك، أحبك، أحبك، أحبك!

يهمهم:

- عيناك رائعتان! كما لو كنت أرى بهما!

- ابتداء من الآن أنت ترى بهما، ولكن كالآخر تفكر فيّ بشكل مختلف.

- لا تقولي لي إنك قد استبدلت وفيّك.

- أنا لا أبدل، أنا أختار.

- أنت اخترتني إذن.

تقبله من عنقه.

- نعم.

الملهمة تقول وتقبله مرة أخرى.

- لماذا؟

- بكل بساطة لأنني أخشاك.

تقبله مرة أخرى وأخرى.

الضابط يصيح وهو يلقي بالوثيقة:

- حبك بالنسبة لي ضماني. إنه أفضل من وثيقة استسلام.

الملهمة تقهقه. الضابط يسأل:

- لماذا تضحكين؟

- إنه ضحك الفرح!

الجندي الأول يتدخل:

- الفرح؟ لم يعد هناك فرح.

الضابط يقهقه بدوره:

- على العكس! هي كل الفرح!

ويقبلها بين نهديها. يقول الجندي الثاني:

- فرحك لا فرحنا.

عيارات نارية. الضابط لم يزل يقهقه. يلقي ساخرًا:

- الآخر، يواصل القتال ليفجر البئر.

الملهمة تقوده إلى السرير. تقول وهي تعانقه:

- البئر الآن هي شغله. تعال!

الجندي الأول يسأل الجندي الثاني:

- ونحن؟

- ونحن ماذا؟

- ماذا سنفعل؟

- ماذا سنفعل ماذا؟

- هو، وجد ملهمته، والآخر، يقاتل من أجل هدف، تدمير البئر.

- أنا، لا هدف لي، ولا ملهمة لي. تركت كل شيء هناك، في باريس.

عيارات نارية مختلطة بحشرجات الحب. الجندي الأول يوضح:

- عندما انخرطت، كان من أجل هذا، من أجل أن أجد شيئًا كهذا، ملهمة، هنا في الجزائر.

الجندي الثاني يصححه:

- تريد القول امرأة.

- شيء كهذا. ولقد قتلت من أجل هذا.

الجندي الثاني ينفجر ضاحكًا. يسأله الآخر:

- لماذا تضحك؟

- لأنك قتلت من أجل هذا. لأنك ذبحت سكان قرية بأكملها وأنت تحلم بفخذين مشرعتين. لأن "شيء كهذا" يشبه تمام الشبه طفلة مغتصبة، امرأة حبلى مبقورة البطن، امرأة تناولها من كل طرف هؤلاء الفيلقيون الشجعان الذين أنت واحد منهم تحت نظر زوجها الهالك.

الجندي الأول يأخذ الآخر من خناقه، ويشتم:

- أيها القذر!

- هيه! ماذا بك؟

- أيها القذر! أيها القذر!

ويضربه:

- لا تهزأ بي!

- أردت فقط أن أقول لك ما أفكر فيه، ما يشبه هذا "الشيء كهذا" الذي من أجله انخرطت في هذه الحرب القذرة.

- لا، أنت تكذب.

- إنها الحقيقة الخالصة.

الملهمة تبعد ما بينهما. تنظف دمهما، وتضع قبلة على خد كل واحد. الضابط يناديها. يقول لها:

- اتركيهما يتعاركان. الجندي صُنع لهذا.

لم تسمع له، فيطلق الرصاص في الهواء، ويصرخ قبل أن يخلّص الجنديين الملهمة:

- أنا وفيّك الأوحد!

الجندي الثاني يقول مشيرًا بإصبعه إلى الضابط:

- انخرطت من أجله. قتلت من أجله، لا شيء آخر.

الجندي الأول يقول:

- لا، أنت تكذب.

- إنها الحقيقة الخالصة.

- أنت تكذب، وأنا أيضًا أكذب، وكلنا. وإلا كيف باستطاعتنا أن نحتمل هذه الحرب؟

- حرب فظيعة كهذه.

- كما تقول، حرب فظيعة كهذه.

صمت. ثم:

- ولكن يجب عليّ أن أعترف أن هناك سببًا دائمًا ما يختفي خلف كل هذا، ونريد أن نحتفظ به لأنفسنا، لا غير سوى لأنفسنا.

- هذا طبيعي عندما يبحث الجميع عن الهرب من الحقيقة.

- الحقيقة أنني قتلت من أجل أمي.

- من أجل أمك؟ قتلت من أجل أمك! هي شريرة إلى هذه الدرجة؟

- لم تكن شريرة.

- هل ماتت، أمك؟

- نعم، ماتت من أجلي.

الضابط والملهمة يعملان الحب. طلقات حادة.

- انتحرت.

- انتحرت من أجلك!

- نعم، انتحرت من أجلي.

- لماذا؟

- لأنها كانت شديدة الطيبة، شديدة الرقة، مسالمة على أشد ما يكون.

- إذن بالنسبة لك، هذا البلد الهالك هو الذي دفعها إلى الانتحار، وأنت هنا للثأر من أجلها.

- الأمر أكثر تعقيدًا.

- ماذا؟

- من المستحيل شرحه.

- ومع ذلك كل شيء يشرح نفسه.

- الأمر أكثر تعقيدًا، من المستحيل شرحه، إنه الجحيم، هذا كل ما هنالك.

- هناك ملائكة سعداء في الجحيم.

- ليست هذه حالي.

- ولا أنا.

- ولا أنت؟

- ولا أنا.

- إذن قل لي، لماذا أنت هنا؟

- لأن كانت لي زوجة أب شيطانية خصتني.

الملهمة تقهقه. الجندي الأول متعجبًا:

- مخصي أنت!

الجندي الثاني يهمهم:

- مخصي أنا! خصتني عن حب، فقتلتها.

الملهمة تقهقه من جديد. الجندي الثاني يصرخ بالملهمة:

- ستغلقين فمك، وإلا! أو أقول لك اضحكي، يا ملهمة! تسلي! لديك الحق! لا تلهم حكايتي سوى القهقهة والسخرية.

الملهمة ترمي ساخرة:

- قبل قليل جعلتني أعتقد أن في سروالك الداخلي وحشًا استوائيًا ضخمًا!

الضابط يضيف:

- المخصيّ، هو جندي منهزم مسبقًا.

المعني يرد وهو ينزرع قرب الضابط:

- أستطيع أن أُثبت لك العكس.

الضابط يتهكم:

- تثبت لي العكس! وكيف ذلك؟

أجاب وهو يضغط رأس ضابطه بفوهة سلاحه:

- بنسف مخك.

الملهمة تصرخ مفرقة ما بينهما:

- توقفا! هناك علاج لهذا.

الجندي يلقي بسلاحه أرضًا، ويسقط على قدمي الملهمة:

- تقولين هناك علاج!

- أستطيع أن أبرئك.

- تستطيعين أن تبرئيني؟

- نعم. أستطيع أن أبرئك.

الجندي الأول يقترب منهما بخطوات بطيئة.

- وتستطيعين أن تبرئيني كيف؟

- تعال بين ذراعيّ.

الجندي الأول يمنع الملهمة من أن تأخذ رفيقه بين ذراعيها. يهدد:

- هو أو أنا.

الجنديان يتعاركان، الضابط يريد التدخل لكن الملهمة تمنعه. الملهمة توضح:

- ما هي سوى أفكار تتصارع، تُتَداول، تنتشر. أنا من وراء فكرة كل واحد، لكن من وراء كل واحد هناك قوة تجربته، ومن وراء تجربته هناك قوة الأشياء.

الأسلحة تصمت في الخارج. الملهمة تعود إلى عمل الحب مع الضابط عندما يدخل الوفيّ الخيمة فجأة، السلاح بيده. يأمر الضابط والجنديين بالوقوف في زاوية، ويريد أخذ الملهمة بين ذراعيه لكنها تبعده بعزم وإصرار، وتلتحق بالضابط. تقول:

- ألاحظ أنك استعدت النظر.

الوفيّ يقول مذهولاً:

- النظر والحياة. حاربت جيشًا بأكمله من أجلك، وتتركينني إليه!

- من الآن فصاعدًا أنا له. انتزعني منه إذا استطعت، إنه خصمك.

الوفيّ يقول وهو يمزق وثيقة الاستسلام:

- سأنتزع هذا أولاً، صك وقعته باسمي دون أن تطلبي مني الإذن.

الوفيّ يتابع:

- ولأنتزعك منه يجب أن أقتله.

الملهمة تقول وهي ترمي بنفسها بين ذراعي الضابط:

- لا أعتقد أنها فكرة حسنة، فعليك أن تقتلنا نحن الاثنين.

الجنديان يحيطان بالملهمة والضابط:

- أن تقتلنا نحن الأربعة.

الوفيّ يتهكم:

- آه! يا له من درس في التضامن. ولكن معي، هذا لا يمشي.

يطلق في الهواء. الشخصيات الأربع تتعانق لتشكل جسدًا واحدًا، ملتحمًا. ليفصلهم، الوفيّ يضربهما ضربات شديدة بعقب سلاحه. يجرحهم كلهم، ومع ذلك يبقون متحدين، كفكرة واحدة صعبة الفهم. الملهمة تختفي خلف الآخرين. لم نعد نرى سوى ذراع من ذراعيها ويد مفتوحة، جامدة.

 

منتصف الليل. أربع وعشرون دقة. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل وثلاث دقائق. سماء فضية تغطي المعسكرين. البدر. الخيمة مضيئة. في الداخل، الشخصيات الأربع متحدة في جسد واحد. نصف الملهمة الأعلى مقلوب إلى الوراء. الوفيّ يأخذها بين ذراعيه لا لجمال الثديين وإنما لسلطة جمالهما عليه.

يقول:

- سأختطفك، سأخلّصك، سأفر معك. تدمير البئر الآن هو آخر ما يشغلني، أنت شغلي الشاغل.

يجذب الملهمة دون أن ينجح. يلح:

- ستعودين إليّ.

الوفيّ يجلس يائسًا على الأرض. يقول لنفسه:

- قبل، عندما كانت كلها لي، كانت تهدئ لي ألمي، كانت تديم متعتي، كانت تشعر بخوفي، بشجاعتي، كنا جسدًا واحدًا.

يبكي.

- قبل، كان لنا هدف مشترك نرمي إلى تحقيقه، كانت لنا الإرادة والسلطة. قبل، كنا نملك أنفسنا.

من جديد، الوفيّ يحاول جذب الملهمة من كتلة الأجساد المتحدة دون أن ينجح. يصرخ:

- لقد خنتني! أو ربما...

يلتقط الوثيقة الممزقة.

- خنت نفسي بنفسي. صك الاستسلام الموقع باسمي هذا هو كل الشرف الذي بقي لي، رمز إرادتي وسلطتي. مزقته بيدي هاتين!

ساقا الملهمة تتجاوزان كتلة الأجساد المتحدة بدورهما. الوفيّ يذهب ليأخذهما بين ذراعيه كمن يأخذ كل وجوده. يغرق وجهه بين فخذي الإلهة. يهمهم:

- لقد أضعت كل شيء، يا حبي، بحركة عمياء، حركة مجنونة! لقد أضعتك! كل شيء لخطأي!

يحاول انتزاعها عبثًا، ثم يذهب ليجلس على طرف السرير مستسلمًا. يقول لنفسه:

- لاستعادتها عليّ حذفهم، هم، وليس جنود المعسكر. في هذه اللحظة العصيبة، هذا هو سبب الفعل، فانتازيا المقاوم، الأمر الشخصي حتى اليأس.

الملهمة تأخذ الثلاثة الآخرين بين ذراعيها، تريد حمايتهم. الوفيّ يطلق النار في الهواء، ويصرخ كالمجنون:

- أنا هو وفيّك، عشيقك، دقائقك الثلاث بعد منتصف الليل! لكن الأزمان تغيرت، غدت صعبة أكثر فأكثر، إنها صعبة، صعبة جدًا!

يحاول إبعادها عنهم دون أن ينجح. يهدد:

- إذا كان الأمر كذلك، فعليك أن تموتي أنت.

الملهمة تقهقه. يهدد وهو يضع فوهة رشاشه على صدغ الملهمة:

- سأثبت لك أنني ما زلت قويًا وعازمًا. سأعد حتى ثلاثة، وسأطلق. واحد، اثنان...

الضابط يقول:

- لا، لا تطلق.

يقول الجندي الأول:

- لا تطلق عليها.

يقول الجندي الثاني:

- لا تقتلها.

الوفيّ يسحب الملهمة إليه. الضابط يهمهم:

- هي لي كل ما بقي من حروب سأربحها، هي لي أغلى من كل الأوطان.

الجندي الأول يهمهم:

- هي لي كل ما بقي من حروب سأخسرها، هي لي أغلى من كل الأمهات.

الجندي الثاني يهمهم:

- سيبدو ما سأقوله غريبًا، ومع ذلك سأقوله لكم. هي لي رجولتي الضائعة، قدرتي وخلاصي.

الوفيّ ساخرًا:

- قدرتك وخلاصك! برهن لي على ذلك!

يقول بتحدٍ:

- سأبرهن لك على ذلك.

يأخذ الملهمة بين ذراعيه. الوفيّ يطلق عليه مصيبًا إياه في ذراعه، وفي ساقه. الجندي الثاني ينهار. يصرخ ويبكي. يقول بصعوبة وهو يشير إلى دمه:

- هذا هو برهاني.

ينظر إلى الملهمة بهوى. تمزق ساريها الأزرق، وتضمد له جراحه. الوفيّ يهدد:

- برهان جبنك.

الملهمة تقول:

- هو لي أشجع منك.

الوفيّ دَهِشًا:

- أشجع مني!

- نعم، أشجع منك، وأكثر جدارة بالسلطة التي تركتك في اللحظة التي تركتني فيها.

- لم أتركك. لن أتركك. وسأبرهن لك على أن في يدي السلطة دومًا.

ينصب سلاحه في قلب الضابط. يقول الجندي الأول وهو يشم شعر الملهمة بلذة:

- اقتلني أنا أولاً.

يتابع:

- خلصني من رائحتها.

الوفيّ يسأل:

- هل هي رائحة أمك التي تشمها فيها؟

الجندي الأول كما لو كان يخاطب نفسه:

- قبل أن تنتحر أمي، نادتني. سمحت لي بالنوم إلى جانبها، لأنني كنت خائفًا، وشدتني بقوة إلى جسدها، فأحسست بلحمها. كانت رائحة لحمها كرائحة ينبوع البئر، باردة ونقية. في تلك الليلة، لم يغمض لي جفن حتى الصباح. كان هناك قمر فضي في السماء.

الضابط يقهقه:

- لماذا لا تقولها بصراحة؟ لماذا لا تقول إنك قمت بفعل ما هو مخز مع ماماك الصغيرة الغالية؟

الجندي الأول يقفز على عنق الضابط ليخنقه. الملهمة تجذبه ناحيتها بينما الوفيّ يعطيه سلاحًا ليقتل قائده. الجندي الأول يريد الضغط على الزناد ثم يتردد. الضابط ينزع السلاح من يده، ويطلق عليه. يصيبه في الذراع وفي الساق. الجندي الأول يسقط، ويمد يده إلى الملهمة التي تسارع إلى عونه.

 

منتصف الليل. أربع وعشرون دقة. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل وثلاث دقائق. الوفيّ يحطم الساعة، ويسحقها بقدمه. يستيقظون كلهم. والسلاح بيده، يقوم بمحاولة ثانية ينتزع فيها الملهمة من بين ذراعي الضابط الفرنسي.

الوفي يقول للعساكر الثلاثة وهو يضغط سلاحه تحت ذقن الملهمة:

- هي رهينتي. حركة صغيرة وأضغط على الزناد.

الضابط يسأل:

- أنت الوفيّ، المخلص، باستطاعتك أن تفعل هذا؟

- ابتداء من الآن، لست سوى خائن.

الجندي الثاني يقول:

- اطلبني ما شئت، فقط حررها.

الجندي الأول:

- أنت، أيها العاجز، من الأفضل أن تخرس.

الجندي الثاني يتناول سلاحًا كان ملقيًا هناك ويصرعه. بعد ذلك يقف إلى جانب الوفيّ. يقول للوفيّ:

- سأمشي معك.

الوفيّ يقول:

- خونة كالحركية، أنا لا أريد.

ويصرعه.

الملهمة تصرخ وهي تضرب وفيّها:

- مجرم! دمويّ!

- لست مجرمًا ولا دمويًا، أنا خائن!

يفتح قبضة الملهمة، ويطلق رصاصة في كفها. تصرخ من الألم، والضابط معها الذي يريد أن يخلّصها. الوفيّ يقول للضابط بوجه محتقن:

- إذا حاولت الاقتراب منها، قتلتك في الحال.

الملهمة تسقط على الأرض، ويدها تغرق في الدم، على وشك أن يغمى عليها، لكن الوفيّ يرفعها، ويجعلها تقف. الضابط يهدد:

- حذار من ارتكاب الحماقات!

- تراجع!

يتراجع. الضابط يبتهل:

- سأفعل كل ما تشاء، ولكن لا تلحق بها الأذى.

- أفعل ما أشاء بملهمتي.

الضابط يصرخ:

- لم تعد ملهمتك.

ثم وكأنه يخاطب نفسه:

- هي لي، نعم، هذا هو، هي لي. إنها المرة الأولى منذ أن بدأت هذه الحرب الملعونة التي يكون لي شيء فيها.

طلقة أخرى تخترق كف الملهمة الثانية، فتسقط على الأرض غائبة عن الوعي تمامًا. الضابط يعوي:

- لا!

يحملها بين ذراعيه، يضعها على ركبتيه، وهو يجلس على طرف السرير، يقبل يديها المدماتين، ويبكي. الضابط يسأل باكيًا:

- لماذا فعلت هذا؟ لماذا؟

الوفي يجيب:

- لتنسحب من السهل.

الضابط يقول واقفًا:

- في الحال.

- واصطحب معك كل هذا الخراء من الخونة والمتواطئين.

- سأصطحب معي كل هذا الخراء من الخونة والمتواطئين.

- ودون إرجاء.

- ودون إرجاء.

- تنفيذ!

- لكني سأعود من أجلها.

- سأتركها لك كما لو كانت كلبة أو حذاء.

الضابط يمدد الملهمة على السرير، وبعد ذلك يتجه إلى باب الخيمة، ثم يستدير:

- اعتن بها، فهي تنزف.

الوفيّ يأمر:

- لا وقت لديك، أسرع!

الضابط يسارع إلى مغادرة الخيمة التي تسقط في صمت مطبق. الوفي يعوي فجأة كالمجنون. يأخذ الملهمة بين ذراعيه ويبكي. يقبل يديها الغارقتين في الدم ويبتهل إليها لتستيقظ. يخرج مسدسه من القِراب، ويطلق النار في كفه. يصرخ من الألم هذه المرة، ثم يفقد رشده على صدر الملهمة.

 

الملهمة تداعب بيدها المضمدة شعر الوفيّ الغافي. يستيقظ، ويريد تقبيلها، لكنها تمتنع عنه. يسمعان المعسكر الفرنسي، وهو يخلي السهل. الوفيّ يقول:

- ها هم ينسحبون.

الملهمة تقول:

- نعم، ها هم يخلون السهل. والبئر؟

- لا أهمية للبئر بعد. كل شيء قد تغير.

- نعم، كل شيء قد تغير.

- ربحت المعركة بفضلك.

- والحرب؟ من سيربحها؟

- سأربح الحرب بفضلك.

- هذا ما سنرى.

وتنهض. يسأل الوفي:

- إلى أين أنت ذاهبة؟

- أنا خارجة.

- هل استعدت قواك؟

- نعم.

الوفيّ يجاهد القيام:

- لم أستعد قواي.

- استعدت قواي، استعدت حريتي.

الملهمة تخرج كشلال الضوء. في الخارج، تقف في ضوء القمر. ترفع يدها نحو الكوكب المحتفل، وتصرخ:

- أنا حرة!

الوفيّ يلتحق بها. ينظر إلى السهل. المعسكر الفرنسي قد اختفى. الملهمة تصرخ من جديد:

- أنا حرة!

تقهقه. الوفيّ يقول:

- غير صحيح. أنت رهينتي. أنت ملكي.

الملهمة تقول وهي تدور من حوله:

- أنا لست ملك أحد. لست ملكك، ولست ملكه. أضعتماني أنتما الاثنان، هو بإخلاء السهل، وأنت بعدولك عن تدمير البئر.

تقهقه من جديد، وتهرب بأقصى سرعة للالتحاق بالمعسكر الآخر، المعسكر الجزائري. الملهمة تصرخ من فوق:

- أنا حرة!

الوفيّ يصرخ من تحت:

- سأمسك بك، وسأعيدك إليّ.

- عندما تموت، سأعود إليك كدودة من دود الأرض، لأقرض لك اللحم بدل الروح.

تضحك للمرة الأخيرة قبل الدخول في المعسكر الجزائري. الوفيّ يلقي نظرة نحو المرتفعات. يذهب إلى صخرة، ويقعد عليها بانتظار عودة الضابط الفرنسي. يربط يده بمنديل، وينظر إلى المرتفعات، ثم إلى القمر الذي ينحرف، والذي يغيب. تشرق الشمس. الضابط الفرنسي ينبثق من دم الشروق. يصعد السفح بصعوبة متجهًا نحو الوفيّ، ويصل إلى الصخرة التي يجلس عليها. الملهمة ليست هنا. العالم يسقط في الصمت. الضابط الفرنسي يدخل في الخيمة باحثًا عنها. الجنديان تغطيهما الديدان. الديدان تقرض لحمهما. الضابط مرتعب. يترك الخيمة بسرعة، ويقترب بخطوات سريعة من الوفيّ. يبقى هناك بانتظار أن يشرح له.

يقول الوفيّ:

- انتقلَتْ إلى المعسكر الآخر. أضعناها نحن الاثنان.

- أنت أضعتها، وليس أنا.

يعجل الصعود باتجاه المعسكر الجزائري. الوفيّ يتبعه، ويتجاوزه. يتوقف على باب المعسكر. الضابط الفرنسي يلحق به. جنديان جزائريان هناك، ينظران إليهما دون أن يتحركا. يقول الجندي الأول للوفيّ مشيرًا إلى الضابط الفرنسي:

- لقد أخطأ العنوان!

- يريد ملهمته.

- أريد امرأتي.

يسأل الجندي الثاني:

- امرأته تلك التي...

الوفيّ يجيب:

- هذا ما يقوله.

- أليست امرأتك؟

- لا تطرح أسئلة كثيرة.

الجندي الأول يقول للوفيّ وللضابط الفرنسي:

- اذهبا لرؤية ضابطنا.

الجنديان يرافقانهما حتى مدخل خيمة أشبه بخيمة السفح. سيارات عسكرية وأسلحة ثقيلة في كل مكان. الجندي الأول يدخل الخيمة وحده. لا يتأخر عن الرجوع، ويُدخل الرجال الثلاثة. ما أن تراهم، الملهمة تقبل الضابط الجزائري، وعيناها مفتوحتان. الضابط الفرنسي يقفز على عنق غريمه ليخنقه. الجنديان الجزائريان يدافعان عنه بينما الملهمة تقهقه.

يسأل الضابط الجزائري وهو يسعل:

- ماذا جرى لك؟ انتهت الثورة وكذلك الحرب.

الضابط الفرنسي يسأل غير مصدق:

- انتهت الثورة؟

- كما أقول لك.

- إذا انتهت الثورة، فهذا أمركم. لكن الحرب لم تنته بعد، وللعسكري الذي هو أنا، إنها حربي، حقي المطلق! وهذه المرأة، هي امرأتي! هي لي!

يسحبها من ذراعها.

يقول الضابط الجزائري ساحبًا إياها من الذراع الأخرى:

- لا، هي لي!

يقول الوفي لنفسه:

- ماذا أنتظر؟ يجب أن أتصرف، وإلا أضعتها إلى الأبد.

يأخذها بين ذراعيه. يصرخ:

- هي لي! ليست لأحد آخر سواي.

الضابط الجزائري يصرخ:

- يا جنود، اقضوا لي على هذا الوبش، وأعيدوا لي امرأتي!

الجنديان لا يتحركان.

- يا جنود، ماذا تنتظرون؟ الثورة انتهت، وهذه المرأة لي.

يرد الجندي الأول:

- انتهت الثورة، هذا ما تقوله أنت. أما هذه المرأة التي ليست كغيرها، من الممكن أن تكون لأي واحد فينا. ثورة أم لا، حرب أم لا، لا شيء أكيد. من الممكن أن تكون لي.

الجندي الثاني يحكي:

- عندما انخرطت في الثورة، لم أكن أعرف لماذا. الآن أعرف. لها. هذه المرأة لي.

يجذبها بين ذراعيه، والملهمة تقهقه. الوفيّ يحاول فهم هذه الحالة الجديدة. يقول:

- الثورة لم تنته بعد، والحرب كذلك. فقط نحن ندخل في مرحلة خاصة، وتتوقف إرادة العيش أو الموت لدينا على هذه المخلوقة.

يشير إلى الملهمة التي تدور حولهم. يتابع:

- سموها ملهمة أو زوجة كما شئتم. معها، لم نعد مُرجأين ولا أنداد، نحن أرقاء إلى الأبد.

ومن جديد، الملهمة تقهقه.

- يكفي أن نسمعها تضحك منا لنتأكد من أننا وقعنا تحت نيرها.

صمت، ثم الضابط الجزائري يحكي:

- لقد باعوني الثورة في سوق الصدفة، لأنني كنت أعرف فبركة القنابل. بعد ذلك، بفضل الصدفة دومًا، وجدتني أقود هذه الثورة الملعونة التي من أحلى أفكارها إخضاع الآخرين. وتأتي لتقول لي إننا نخضع لهذه المرأة التي أستطيع قتلها في الحال...

يلوح بمسدسه.

- ... ودون أي ندم.

الملهمة تضحك. يتابع:

- ولكن لديك الحق، أنا لا أستطيع فعل ذلك، فهي كل ما تركته الثورة لي من ورائها.

يصرخ الجندي الأول بضابطه:

- لم تنته الثورة بعد! هل تريدني أن أبرهن لك على ذلك؟

الملهمة تقبل الضابط الفرنسي لتثير غيرة الآخرين. الضابط الجزائري يصرخ:

- انتهت، كل شيء انتهى، نحن كلنا انتهينا! لم يعد هناك مكان للصدفة! انتهت الثورة بالفعل!

الجندي الأول يهمهم:

- هُراء!

يتقدم، ويفتح موساه.

- الثورة هنا دومًا!

فجأة، يبعد الضابط الفرنسي عن الملهمة، ويقطع له عنقه. الملهمة تطلق في الحال صرخة مختنقة، وتجمد. الجندي يمسح موساه بسترة الضابط الذبيح. يرمي الجثة على الأرض، ثم يضع أداته القاتلة في جيبه. يبدو عليهم الرزوح كلهم، وعلى الملهمة الضراوة. ظل الملهمة يجتاحهم جميعًا، ظل شيطاني، عندما تنفجر بغتة بالضحك. الجندي القاتل ينهار. ينوح:

- لم تنته الثورة، لم تزل هنا. هذا هو البرهان!

يشير بإصبعه إلى دم الضابط الفرنسي. الملهمة تكتب ثورة بحروف الدم. الوفيّ يدفع الملهمة بعيدًا عن الجثة، ويلقي عليها غطاء.

يعترف القاتل كما لو كان يخاطب نفسه:

- أجبروني على الصعود إلى الجبل. عذبوا أخي لأنه قال لهم لا، ثم ذبحوه. لم أكن أعتقد أن الأمر بمثل هذه السهولة.

يبتسم، ويواصل جهم السحنة:

- أخي الصغير المسكين! دومًا ما كنت أغير منه! كان المفضل عند أمي. لم أزل أغير منه. ذُبح، هو! لهذا أُعيد هذا الفعل الشنيع دون توقف، لهذا أريد أن تستمر الثورة.

ينفجر باكيًا. الملهمة تأخذه بين ذراعيها، متحدية الجندي الآخر بنظرتها. يبعدها هذا بعنف، فتضربه، وتجعله يصرخ من الألم. يصرخ بالأول مهددًا بسلاحه:

- أيها القذر! الثورة هي أجمل شيء في العالم! انخرطت فيها بمحض إرادتي.

يتوسل الآخر:

- لا تطلق! أحب الثورة، جلالة الثورة!

يقول للملهمة ذات العقود الصحراوية:

- هي مليكتي مثلما أنت ملهمتي! أحبها بقدر حبي لك!

الملهمة توافق بهزة من رأسها. تخلع عقودها واحدًا واحدًا، وتكشف عن صدرها. الجندي الأول يبدو مسحورًا بجمالها.

الجندي الثاني يصرخ:

- دموي مثلك لا مكان له في الثورة!

يطلق عليه. الجندي الأول يسقط، وعلى شفتيه ابتسامة مسحورة. الملهمة تأخذه بين ذراعيها، وتطبع شفتيها على شفتيه. تعضه بعد ذلك حتى يسيل دمه. الجندي الثاني يصعقه الذهول. يأمره الضابط:

- اترك سلاحك! أوقفك باسم الثورة!

يصرخ وهو يتكور على نفسه في زاوية:

- لا!

الوفيّ يدفع الملهمة بعيدًا عن الجثة، ويغطيها. تقفز الملهمة عليه، وتهاجمه بمخالبها. الجندي الثاني يترك نفسه يزلق حتى الأرض. يشد سلاحه إليه كما لو كان امرأة. يهمهم:

- إنه كل الحلم الذي بقي لي، لا تنزعه مني، وإلا لن يبقى لي سوى الموت.

يتوجه إلى رئيسه:

- نعم، سأنتحر.

صمت، ثم:

- عندما كنت صغيرًا، كانت أمي تقول لي: "في أحد الأيام، عندما تصبح كبيرًا، ستتزوج من فرنسية فائقة الجمال." هذا لأنني كنت جميلاً جدًا. لكنها لم تكن تعلم أنني سأتزوج من الثورة، أن كل الجزائر ستكون لي، أن كل نساء العالم سيقعن بين ذراعيّ.

الملهمة تذهب إليه، وتزلق بين ذراعيه. يعانقها معًا وسلاحه. تحاول أخذه منه. يدفعها بعنف، ويضع فوهته تحت ذقنه.

- إذا حاول أحدكم انتزاع سلاحي مني، فجرت مخي.

يهدد الضابط:

- على أي حال، أنت رجل ميت. هل نسيت جريمتك؟ أنت جندي ميت!

يتقدم منه، وهو يبدي حركات مهددة بيده:

- أصادره لك، هذا السلاح الملعون.

لكنه يتوقف في منتصف الطريق. الملهمة تدفعه إلى الأمام. يضغط الجندي الضائع على الزناد، ويتهاوى، والسلاح مشدود دومًا في يده. الملهمة تحاول أخذه منه دون أن تنجح.

الضابط يعترف للوفيّ:

- لقد بدأ كل شيء مع هذه الملهمة اللاوفية. كنت أريد استعادتها بأي ثمن، وجيش التحرير يريد التخلص منكم، أنتم الرفاق، فكلفتكم بتدمير البئر. لم تكن البئر سوى ذريعة. جعلتكم تعتقدون أن مستقبل الثورة يتوقف على هذا الفعل. كان الحل المشرف الوحيد لكم. لم يكن ماء البئر شرطًا لازمًا للفرنسيين، فقد كان بإمكانهم التزود بالماء من القرية المجاورة.

الملهمة تغفو بين ذراعي الجندي، ويدها على السلاح. يتابع الضابط الجزائري:

- تمامًا مثلنا.

يقول الوفيّ كمن يخاطب نفسه:

- كل الرفاق ماتوا، كل الرفاق إذن اغتيلوا من طرف جيش التحرير الخراء!

- لم أفعل سوى تنفيذ أمر الثورة.

- أمر قفاي، تريد القول!

- لم أفعل سوى الإذعان.

- دافعًا إلى قتلنا.

يهتاج:

- كان أمر قيادة الثورة، يا قحبة الخراء!

ويذهب ليريح نفسه بين ذراعي الملهمة. يهمهم:

- الآن وقد انتهت ثورتي، سأبحث عن النوم بين ذراعي ملهمتي اللاوفية. هذا كل ما تبقى لي من حرب العصابات، وهذه المرة لا شيء يمت الصلة بالصدفة. أن أرتاح، نعم، اليوم... غدًا، سنرى.

الوفي يهدد:

- لن تظفر أبدًا بالراحة. لن تتركك أرواح رفاقي أبدًا مطمئنًا.

الملهمة تتنزه بشفتيها على وجه الضابط.

- بلى، طالما بقيت تحت نيرها.

- إذن سيكون عليك ارتكاب جرائم أخرى.

- سأفعل، نعم، بكل سرور.

- باسم من؟

- باسم الثورة طبعًا.

- لكن الثورة انتهت بالنسبة لك.

- ومع ذلك سيكون ذلك باسم الثورة.

- ما أنت سوى وحش!

الضابط يصرخ فجأة، فالملهمة قد عضته من شفته. ثم يسأل:

- الآن فقط تعرف هذا؟

- لم أكن أثق بك، غير أنني كنت مستعدًا للموت من أجل الثورة.

تعود إلى عض شفة الضابط الذي يصرخ من جديد. ثم:

- من أجل الثورة أم من أجل الملهمة؟

ويتدحرج مع الملهمة على الأرض وهما يضحكان.

- من أجل الثورة.

- الثورة هي نحن.

- ما أنتم سوى وحوش.

ويعزم على قتلهما.

في اللحظة التي يريد فيها الضغط على الزناد، يجمد الوفيّ، لأن جندي ثالث يدخل. يتوجه إلى الضابط:

- منذ عرف القرويون أنك لم تعد تقوم بالثورة، يرفضون تزويد معسكرنا بما يحتاجه من ماء.

الضابط ينهض، ويقبض على سلاحه. يهتف:

- لنعد إلى القتال. واجبنا الثوري يأمرنا بذبحهم جميعًا.

يهتف الجندي مع غمزة عاشقة للملهمة:

- بأمرك، أيها القائمقام!

الملهمة تلقي عليه نظرة عاشقة أيضًا. يهتف الوفيّ ساخرًا:

- قم بواجبك، أيها القائمقام!

- نعم، واجبي.

الملهمة تقترب من الجندي بشفتيها.

- واجب قائمقام الله!

الضابط يجذب الملهمة التي بدأت بالتهام وجه الجندي. يسأل الوفيّ:

- أتظن نفسك ملكًا ساحرًا في الوقت الحاضر؟

الضابط يهتف قبل مغادرة الخيمة متبوعًا بكل الآخرين وبعد ذلك بكل فرقته:

- وسأصنع المعجزات!

السيارات العسكرية والأسلحة الثقيلة تغادر المعسكر. الضابط في سيارة مصفحة. إلى جانبه الملهمة والوفيّ. جيش التحرير يحاصر القرية. الأسلحة الثقيلة تنتصب. الملهمة تذهب لتقف على صخرة عالية. تسيطر على كل شيء. الوفيّ يبحث عنها بعينيه. ترفع يدها ببطء، ببطء شديد، وتشير بإصبعها إلى القرية.

الضابط يقول للوفيّ:

- انظر إليها! تلهمني كل ويلات الحروب الظلامية!

بحركة عصبية، يأمر بالقصف. المدافع والبنادق تزأر. القرية تدك. القرويون يبادون. الملهمة والوفيّ يدمران نفسيهما: يقومان بفعل الحب كما كانا يقومان بفعل الحرب. خلال حربه معها، يعود الوفيّ إلى فقدان بصره بالتدريج. قذيفة تُسقط الصخرة على الملهمة، فتموت في الحال.

الوفيّ يخلّص الملهمة من تحت الحجارة. يحاول حملها، ثم يجرها من قدميها إلى البئر. يائسًا ولكن عازمًا، يواصل جرها كما يقدر عليه، يدفعها من فوق صخرة، يسحبها من قدميها أو من يديها حتى البئر بينما رأسها ينط كالكرة. يرميها في البئر. شعاع آت من قعر البئر يعميه تمامًا. الملهمة تطفو على سطح الماء، يجرفها التيار. تخترق عالم البئر العجيب. الوفيّ أعمى يتجه نحو الصحراء تاركًا القرية من ورائه مخربة تمامًا. يقطع الصحراء بحالة من الهذيان والضياع.

نهار وليل يتعاقبان.

عند وصوله إلى واحة، الوفيّ يلقي بنفسه في الماء الذي منه تنبثق الملهمة. لحظة لقاء ورقة. ثم كلاهما يأخذ طريق الصحراء. تقوده على طريق الموت.

نهار وليل يتعاقبان.

في فضاء الحرية المطلقة الذي هو الصحراء، يتوقف الزمن: النهار والليل ما هما سوى شيء واحد. عقرب الساعة الكبير يتقدم: منتصف الليل دومًا.

لم يعد تغيير هناك، لم يعد إرجاء هناك.

كيف يرجأ الموت؟

الملهمة والوفيّ ينتحران.

 

 

* من "الأعشاش المهدومة" المجموعة القصصية الأولى لأفنان القاسم 1972 بمناسبة نشره للأعمال الكاملة.

 

 

 

 

 

Views: 64

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)