Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

ليس هناك أكثر صعوبة من دحض ما هو كاذب تمامًا.

أندريه موروا

 

ليس التناقض علامة للزيف، وليس اللاتناقض علامة للحقيقة.

بليز باسكال

 

لديها بعض الزيف الطبيعي... الذي ينجح أفضل مما يقدمه شكلها من صورة للبراءة والسذاجة.

بيير دو لاكلو

 

عالم التقريبيات، حيث نُحَيي في الفراغ، حيث نحكم في الكاذب.

مارسيل بروست 

 

 

I

كان من المفترض أن تذهب بديعة عند الحلاق، لكنها عدلت عن ذلك، لأن من الممكن أن يصل في أية ساعة. كان يمكنه أن يفاجئها، وهي على أهبة الذهاب، وكان يمكنه ألا يحضر قبل السابعة مساء. كانت تشعر بدوار لا يصدق، وتحس بنفسها منهكة. لم تكن لديها رغبة في العناية بشعرها، وفي غسله بالشامبو المعطر. كانت تفكر أنها لن تبقى على تلك الحال حتى المساء. سيذهب عنها صداعها، ستعود إليها ابتسامتها الجميلة، وسيلهب الحب وجنتيها. رأت أن الذهاب عند الحلاق سيضفي عليها من الجمال أكثر مما هي عليه، لكنها عدلت عن ذلك مرة أخرى. أخذت حبتي أسبرين طلبًا للاسترخاء، وأعدت حمامًا فاترًا. جمعت شعرها الأشقر والقصير في وشاح أزرق قبل أن تخلع قميص نومها وتدخل في البانيو. كانت تخشى أن تبلل شعرها، فيرغمها ذلك على قضاء بعض الوقت لتجفيفه، ولم تكن لديها رغبة في ذلك.

وهي تضع قدمها في البانيو، هي التي كانت مع ذلك نظيفة، فكرت أنها كانت قذرة. وهي تتمدد بجسدها الجميل، أنها كانت بشعة. كانت فريسة مفهومين متناقضين، الطهارة من ناحية، والدعارة من ناحية. قالت لنفسها وهي تفكر في زوجها: لقد مضي على قتلهم له عامان أو ثلاثة! اليوم يسمونها أرملة. الحقيقة أن الوقت بعيد، ذلك الذي كان فيه لي زوج قوي، ويلزمني اليوم أي كائن كان لإرضاء هذا الجسد القذر النظيف! أنّت وهي تحس بالماء يسيل بين نهديها. كان يحفر في جسدها ثلمًا لا نهاية له. الحقيقة أن الوقت بعيد، بعيد جدًا، ذلك الذي كانت فيه لي نفس مطمئنة. أعيش نهبًا للقلق من أن أبقى كل حياتي على استعداد لإشباع هذه الرغبة مع أي كائن كان! كانوا يسمونها زوجة شهيد أيضًا. خمس سنوات مضت على قيام الثورة. سقط زوجها المقاوم تحت رصاص العسكر، المظليين الفرنسيين، في الوقت الذي كانت في أشد الحاجة إليه. كانت تقول له دون توقف: أريد منك بنتًا! إنها الحرب، وأنا أريد هذه البنت التي لن تكون لها أفكار أبيها الثورية. ثم، يمكنها معاونتي في أشغال البيت. في السرير، عندما كان زوجها يسرق بعض الوقت من الحرب، كانت لا تتوقف عن ترداد: أريد منك بنتًا! أريد أن تصنع لي هذه البنت... وهو، كان يدعو الله في سره أن يعطيه صبيًا. لكن الحرب تصاعدت، ولم يعد زوجها يلم بها كالماضي... كانوا يعهدون إليه بمهام بعيدة عن بيته.

 

قبل أن يقتل زوج ابنتها، كانت أم بديعة تشكو: ما هذا الزوج غير القادر على صنع وريث؟! هل هو رجل أم ماذا؟! وكانت بديعة تفكر: وريثة، بنت، إلا أنها كانت تحتفظ بتلك الفكرة السرية لنفسها. كانت تترك أمها تتكلم: لكننا شاهدنا كلنا الدليل القاطع ليلة العرس! كانت أمها تخنق ضحكة بين أصابعها العظمية، ثم: الوحش! كان ناكحًا عبقريًا! لقد أسرف دمك الحار دون رأفة كما لو كنت دجاجة، كانت لسكينه الحيوانية شفرة ممعنة السَّن! كانت الأم تداعب بأصابعها العظمية رأس ابنتها: أنت، يا بديعة، كتب الله لك أن تكوني وحيدة، فالواقع أن رجلك هذا ليس برجل، رغم النزيف الأليم الذي سببته لك حركاته حركات الحيوان الوحشيّ. في اليوم الذي أودعته إياك، كنت خائفة من الجاهل الذي كانه. لقد كان دون تعليم، وبالتالي بربريًا، وأنت، وردة شهية. أتعرفين؟ لقد ندمت بعد ذلك، رغم ليلة العرس التي أثلجت صدري، لأنه غير قادر على صناعة الأولاد. وكانت تؤكد عن قناعة: اليوم أصبح الأمر يقينًا لدى الجميع. ثم كانت تسعى إلى الفهم بشكل أفضل: ألم تلمسي خصيتيه، يا ابنتي؟ إن لم يكن كذلك، أتمنى أن تفعلي ذلك في المستقبل، هذه الليلة مثلاً إذا ما جاءك. لإسعادي، دسي يدك بين فخذيه، واعصريهما بعنف، لنعرف إلى أي مدى تذهب رجولته، فلربما كانتا مثقوبتين. أما إذا صرخ من الألم، وعضك كالكلب، فسيزول الشك، وسنبحث عن سبب آخر. فجأة، كانت أمائرها الكهلة تهتز، وتصبح لها نظرة غريبة. كانت تقترب أكثر ما يكون الاقتراب من أذن بديعة، وتأخذ في الكلام بصوت خافت: أليس أنت التي... تسكت، وتحدق بعينيها الضيقتين في عيني ابنتها الواسعتين محركة رأسها حركات متشنجة: لا، لا على التأكيد! أنت ابنة أمك! زيادة عليك، خلفت ثلاثة عشر ابنًا مات منهم ثلاثة فقط، رحمهم الله! كانت تحط في الصمت قليلاً ثم تعود إلى القول: أنتما تلعبان ككل الأزواج في العالم كلما جاء ليمضي وقتًا معك. وكانت تطلق ضحكة شيطانية: أنتما تلعبان، لا تقولي لي العكس. إياك أن تدعي مكانًا لإبليس بينكما. ضعي القرآن قرب رأسيكما. إذا سهوت عن ذلك في الماضي، فتذكري المرة القادمة. ضعي القرآن قرب رأسيكما. بدت مقتنعة تمام الاقتناع أن الخطأ خطأ ابنتها التي لا تضع القرآن وقت الجماع قرب رأسها ورأس زوجها، وكانت لا تتوقف عن الهمهمة: نعم، إنه إبليس! يخترق الأجساد ليقتل الأولاد الصغار الذين يقضي آباؤهم طوال الليل في صنعهم.

 

فركت بديعة إبطيها، وهي تفكر في وضعها الحالي: لم تعد بحاجة إلى أولاد. فركت بقوة لتنزع عنها وحل الماضي، ولتخفف من الثقل الذي ينهكها منذ استيقاظها. اغتسلت بالماء الفاتر، وفركت وركيها المدورين الأسمرين بعزم ومضاء. كانت أمها قد أوصتها قبل أن تموت بمرض عضال: اختاري، يا ابنتي، رجلاً يصمد أمامك في الفراش، ويقهرك. لو يمدني الله بقليل من العمر، لجلبته لك حتى من أبعد مكان في الدنيا. أنت امرأة مشتهاة، وردة تخلب العقل. أما زوجك الشهيد، فلم يقدرك حق قدرك. أي نوع من الرجال هذا الذي يفضل أكل النباتات الوحشية والنوم على الصخر الجليدي بدل العيش مع زوجته الجميلة؟ لقد صنع ثورة في الخارج، ولم يصنع ثورة في جسدك!

عجلت بديعة الخروج من البانيو، والذكريات تعصف بها. جففت جسدها أمام المرآة، مشطت شعرها، وتأملت وجهها. رغم شعرها القصير، حافظت على أمارات الماضي التي كانت لها، أمارات "الوردة الخالبة للعقل" كما كانت تقول أمها. غدًا، كانت قد قالت لأمها، بعد تردد دام أيامًا، سأذهب لأقصه، هذا الشعر الذي يصلني حتى الخاصرة، والذي يتطلبني وقتًا جنونيًا. أيام كانت تسكن في القصبة، كانت أمها تمنعها، وكانت تقول بغضب: من تقص شعرها كالأولاد قحبة! كانت بديعة تحاول إقناعها: ألا ترين الفرنسيات كيف تقص الواحدة منهن شعرها متى تشاء؟ نحن لسنا خيرًا منهن! وكان غضب الأم يتضاعف: اسمعوا لي هذه المهبولة! لا تعرف بعد أن الفرنسيات كلهن قحبات! افهمي جيدًا! أنت ابنتي، ابنتي أنا، وستبقين ابنتي! أم أنك تفضلين أن أسلمك لأخيك الكبير، هذا البربري الآخر، الذي بفضل الأم المستبدة التي هي أنا، يتركك وشأنك. بالمقابل، عندما أُدفن قرب أبيك، ويتم له وفائي، قصي شعرك كالفرنسيات كما يحلو لك، فلن أهتم بذلك، وصيري قحبة مثلهن! على سماعها  لهذه الكلمات، كانت بديعة تشعر بالاشمئزاز، وكانت تسارع إلى القول: لا سمح الله، يا أمي. كانت تتردد قليلاً، ثم: أنا امرأة شريفة، وسأظل امرأة شريفة!

اليوم، هي امرأة، امرأة وكفى. امرأة تسكن في شقة وحدها، في أرقى أحياء الجزائر: حيدرا. هذا لا يعني أنها لم تكن تحن إلى أزقة القصبة ولا إلى ديارها الرطبة. امرأة وكفى. المرأة الشريفة التي كانتها في عهد أمها، دفنتها مع جثتها، في قبر أبيها ذاته، بدافع الطاعة والوفاء. لقد غدت امرأة حرة. كانت تقص شعرها متى تشاء، تصبغه، وتستقبل في بيتها من تشاء، الرجال والنساء، وعلى الخصوص الرجال. في الماضي، الماضي الذي ليس بعيدًا، كان لها عدد من العشاق، ولم تكن تخبئ هذا، حتى أن ما لم تكن متأكدة منه، كانت تقوله دون لف أو دوران. ومن الآن فصاعدًا، أخذت تلفظ أول كلمة كانت على طرف لسانها، ولا تشعر كيف تقذفها في وجه محدثها، فقد بات الأمر في نظرها طبيعيًا، وكانت تتكلم إلى نفسها بالطريقة ذاتها، دون لف أو دوران.

قالت لنفسها بيقين: أنا اليوم امرأة حرة! وزال عنها صداعها. في اللحظة التي انتهت فيها من طلي وجهها بالمساحيق، رن جرس الباب. وبسرعة، ارتدت فستانًا أزرق، وذهبت لتفتح. كانت متعثرة الخطوات بعض الشيء، وكان عقرب دقائق ساعتها يزحف بعناء نحو الحادية عشرة. تطلعت عبر عين الباب، ويدها على المقبض، وتأملت قليلاً صورتها المنعكسة في مرآة صغيرة معلقة. أدارت رأسها مرات عدة: كانت جميلة. فتحت الباب على مصراعيه ليراها كلها، مع ذلك "الخجل الزوجي" الذي تتخذه في كل مرة يأتي ليراها. وكالعادة، ظل مُحَنْد دون حراك إلى أن تدعوه بديعة إلى الدخول.

قالت له في الأخير:

- ادخل!

تابع بعينيه الموجة التي ترفع إلى أعلى نهديها، والتي تدعو شفتيه، فأخذها بين ذراعيه، بظمأ وجوع، وطبع قبلة على فمها ثم على عنقها ثم على صدرها.

همهمت:

- حبيبي!

كان لا يعلم أنه بتقبيلها على هذا النحو يحررها من الأفكار الصافية والدنسة التي تشغلها منذ الصباح، أمواج من الشهوة الجسدية الجارفة لهذا الجسد الذي يعبده.

دفعته بغُنج ودلال:

- ما أنت سوى نَهِمٍ كبير!

وأعطته قبلة صغيرة. أضافت:

- تعال! لماذا تنظر إليّ هكذا؟

قادته إلى الصالون قائلة:

- يا للمِزاج النزويّ الذي له، هذا النَّهِمُ الكبير! أتدري؟ حتى عندما تعطيني موعدًا في بداية المساء، أنتظر دومًا قدومك في أي وقت. وها أنت هنا قبل السابعة بكثير! أريد القول، إنه لأمر سار أن أراك.

قبلها طويلاً. كان لشفتيها طعم البلح الأخضر، وكان يعبد هذا.

تابعت بديعة:

- كنت أشك في قدومك باكرًا، ولما كنت تعبة هذا الصباح، فكرت فيك. فكرت في أنك لن تتأخر، وكان بالتالي من الواجب عليّ أن أكون جميلة لك وأن أستعيد قوتي وطاقتي. آه! كم كنت قلقة. كانت لدي أفكار سوداء. على المرء أن يفكر ليشعر بالعيش. وأنا كانت لدي أفكار سوداء. أريد الشعور بالوجود... أريد الوجود لك.

عانقها على الأريكة. فتح عينيه على سعتهما قبل أن يسألها:

- وأي نوع من الأفكار الرديئة كانت تشغل هذا الرأس الصغير؟

وضعت رأسها على كتفه، وهمست:

- أفكار كثيرة، أفكار كثيرة ومقلقة، ولكن كل شيء انتهى الآن. أنا أحتاج إليك، ولا أدري المصير الذي ينتظرني إذا ما فقدتك ذات يوم.

رفعها مُحَنْد بين ذراعيه، وأجلسها على ركبتيه. كانت ثقيلة بعض الشيء، لكنها لذيذة وناعمة. همس بدوره:

- لن تفقديني، فاطمأني.

قبلها بين نهديها، وعلى عنقها، وعلى شفتيها، قبلها طويلاً.

- لنخلع ثيابنا، ولنعمل الحب بسرعة، فأنا على عجلة من أمري بعد أن أوكلوا إليّ بمهمة لا يمكنها الانتظار.

دفعها مُحَنْد على الكنبة، ونهض ليخلع ثيابه.

سألت بديعة وكلها استغراب:

- إذن فقط من أجل هذا جئت؟ شهوتك الهائجة فقط هي التي جاءت بك؟

أجاب:

- أنت، شهوتي، حبي، كل هذا.

- يا لك من كاذب!

- أقسم لك، كل هذا!

- لا، أنت لا تحبني!

- أحبك!

- تريد فقط مضاجعتي!

- أريد مضاجعتك لأنني أشتهيك، لأنني أحبك! اجعليني سعيدًا، اخلعي فستانك، ولنذهب بسرعة إلى سريرك.

- هنا في الصالون أم في حجرتي الأمر سواء، بما أنك تريد فقط مضاجعتي.

- أحبك، أؤكد لك!

خلع ثيابه، وهي أيضًا، لكنها ما لبثت أن لبست سروال عرب من الحرير الأسود، مفتوحًا من الجانبين حتى الخصر. ارتدت قميصًا أبيض مُطَبَّعًا بزخارف فرعونية، ووضعت في قدميها صندال كتان أبيض.

هتفت بديعة سعيدة جدًا من نفسها:

- ها أنا في جلد امرأة أخرى!

سأل مُحَنْد مستاء جدًا:

- لماذا؟

- لأنني قررت ألا أعمل الحب معك.

- لماذا؟

أجابت دون مواربة:

- لأنني لا أريد الشعور بأنك تبتاع جسدًا. أنت لا تحبني. جئت من أجل شيء آخر غير شخصي المتواضع، ولقد جئت مبكرًا، مبكرًا أكثر من اللازم!

فكر: تلعب دور من لا تخلو من قوة الشخصية دون أن توفق في النجاح!

تابعت:

- معك، لم أطلب أي تفسير أبدًا. اليوم، كل هذه التصرفات تزعجني، وعلى الخصوص عندما تكون هذه التصرفات تصرفاتك. وعلى أي حال، هذه أفكاري التي هي لي.

أخذها بين ذراعيه هامسًا في أذنها:

- يا لها من أفكار لطفلة! أفكار مجنونة لطفلة!

وفي الوقت ذاته، كان يقول لنفسه: آه! لكم أشتهيها. وضغط شفتيها بعنف على شفتيه، فدفعته بكل قواها صائحة:

- اتركني!

لم يتركها، واحتفظ بقبضتها على صدره مفكرًا أنها لم تكن تلعب دورًا، وإنما آخر الأدوار.

طلب مُحَنْد وقد هدأ قليلاً:

- ماذا بك اليوم؟

ردت بديعة:

- ابتداء من اليوم لا أريد أن أشعر بتلك البديعة القذرة عندما تضمني بين ذراعيك.

ترك مُحَنْد يدها، وهو يهمهم: كما لو لم تكوني... ثم سكت، وعاد يرتدي ثيابه. تمنى لو يقول لها: كما لو لم تكوني تعرفين من أنت! اليوم أو غدًا، لن يتبدل شيء لك، لأنك الطاعون! سيدفعها بعيدًا عنه، وسيتركها على ألا يعود أبدًا. لكنه قال لنفسه: ليس من الأدب أن أهين امرأة. بعد قليل، وهو يسمعها تتنفس، مضت فكرة غريبة في ذهنه: أن يخنقها، وكأنه يريد الثأر لنفسه منها. اقترحت عليه أن يضع حدًا لهذه التراجيديا الصغيرة التي غدا في الوقت الحاضر يلعب دورًا فيها. كانت بديعة تمنعه من اشتهائها كما يحلو له، وها هي ذي تبدي العزم في قراراتها. لأنها لا تريد أن تشعر بكونها قذرة بين ذراعيه.

قرصها من خديها، وأخذها من كتفيها، ثم جذبها إليه ببطء شديد، ووشوشها:

- أنت لي بنقاء الوردة! ماضيك، أنا لا يهمني!

قالت بمرارة:

- ليس هناك الماضي، الماضي فقط.

- أنا لا يهمني!

فجأة، غدت له طلعة حزينة. تركها تجلس على بوفة بيضاء، وأخذ مكانًا مقابلاً إياها في مقعد أسود.

- أنا لا يهمني، هل تسمعين؟

- لا، بل يهمك.

- أنا لا يهمني! حياتك خارج هذه اللحظات التي نقضيها معًا، أنا لا تهمني! وأنت كذلك لا تهمك حياتي عندما أكون في الخارج. ومن جهة أخرى، ماذا تعرفين من حياتي؟

- لا، بل يهمني كل ما يخصك.

- أنت لا يهمك، لا يهمك.

أخذ رأسه بين يديه، وهو يشعر ببداية صداع، ثم اعترف:

- تزداد مقاومة الخارجين على القانون ضراوة في سور الغزلان، وقد أعطتني قيادة الجيش الفرنسي أمرًا بقصفهم.

قالت ساخرة:

- أنت طيار جسور حسبما أعرف!

- ولكن ما لا تعرفينه هو أنني سأقتل مواطنيّ، وهذا لا يهمك أنت، ما دمتُ أقوم بعمل الحب جيدًا، ما دمتِ تأملين بالزواج مني يومًا، ما دمتُ...

قاطعته بضراوة:

- الزواج منك؟ تقول الزواج منك! أنت مخطئ تمامًا.

- الزواج مني أم لا، المسالة ليست هنا. كما ترين، لسنا نظيفيْنِ تمامًا نحن الاثنين، هناك ما هو قذر فينا.

- تريد تبرير ماذا على وجه التدقيق؟

- لا شيء. كل ما أريد أن أقضي وقتًا ممتعًا معك. لهذا السبب جئت، لأنني لا أستطيع هذا المساء، كما شرحت لك.

- وإذا كنت لا تستطيع بعد المجيء، لا هذا المساء، ولا مساء آخر؟

قهقه مُحَنْد، رمى رأسه إلى الوراء، وزلق في مقعده. سمعته يقول بغرور واثق:

- أما عن ذلك، فاطمئني، للخارجين على القانون هؤلاء بنادق ضعيفة المرمى، لا يحذقون التصويب جيدًا، وليسوا من الصائدين أحسنهم. ولا تنسي أنني نسر مريع!

استشاطت بديعة غضبًا:

- لماذا لا تسمح لنفسك بالتفكير مرة واحدة كما أفكر؟

- أعرف ما يدور في رأسك الصغير.

- لا، أنت لا تعرف. لم أعد بديعة التي تعرف.

تساءل: هل هذا لأنها بدلت ثوبها؟

خلعت صندلها كما لو كانت قد سمعته يفكر، وأخذت تلامس بأصابع قدميها المتوترة فرو السجادة الأبيض. فكر: كيلا تعرف شخصًا، من اللازم أن يبدل جلده تمامًا، من اللازم أن يعمل جلدًا جديدًا!

- في رأسي الصغير مشاريع أخرى لا تخطر لك ببال.

ارتعشت، وغدا جمالها بشعًا، فشخص ببصره إليها حائرًا:

- كوني أكثر وضوحًا، هلا أردت؟

وضعت عليه نظرة متهمة ثم، دون تردد:

- كنت أريد أن تعرف بالفعل ما يوجعني ليل نهار، ما يزعجني، ما يعصف فيّ في هذه اللحظة. من الكذب القول إنك تعرف ما يدور في رأسي الصغير. لا، لم أفكر أنهم سيمكنهم قتلك، كما تقول، الخارجون على القانون، ولكن أن أوقف كل شيء معك.

- تريدين أن تتركيني!

- معك أو دونك، أحس بالوحدة، أخيرًا.

- تريدين أن تتركيني!

- لقد تبدلت كثيرًا منذ لقائنا. تطلب مني أن أعطيك نفسي بسرعة لأنك على عجلة من أمرك، لأنهم أوكلوك بمهمة هامة هذا المساء، لأنك طيار محنك، نسر صاعق، برق حرب لا يخشى تلك البنادق الجديرة بالاحتقار! ولأنك تعتقد أنك في مركز الأشياء، أنك تشغلها بكل ثقة.

همهم، والقلب مفعم بالخيبة:

- حقًا، لم تعودي بديعة التي أعرف.

قبل، كان يحب فيها زيفها الطبيعي، عدم وفائها لنفسها عندما يتعلق الأمر به، براءة المرأة، العاهرة. أغاظتها هذه الصراحة، فسالت دموعها على خديها، حفنة من اللآلئ التي لا تلبث أن تنسحق. طوال حياته، كان مُحَنْد لا يبالي بالدموع. هبت في قلبه عاصفة صامتة خنقها، وهو يربت بأصابعه على كتف عشيقته، ويردد بهزء: آه! يا لهذه الدموع الساخنة. آه! يا لهذه الدموع الساخنة. ابتعدت عنه، فانطلق ضاحكًا. انقضت بديعة بعينيها المفعمتين بالحقد على عيني عشيقها، ونبرت:

- أنت لا تحبني.

أصابه الضيق، فقطع ضحكه.

- أنت تحتقرني، وتهزأ مني. أنت، يا ابن الرجل الجزائري والمرأة الفرنسية، تعرف كيف تهزأ مني متى تريد، وتحيل نفسك إلى شخص تافه في نظري.

صاح مُحَنْد:

- لا، غير صحيح!

اقترب بإصبع مرتعشة من شفتي بديعة، وهو يردد بصوت مختنق:

- يا ابن الرجل الجزائري والمرأة الفرنسية!

- لماذا لا تحتمل أن يقول لك الآخرون الحقيقة؟ ربما فكرت أن لا عدل في هذا، وأن لا حق لهم أن يكلموك هكذا. أنت تخشى مواجهة الآخرين، وأن تخسر قدرك أمامهم...

كان مُحَنْد يفكر في كبريائه الذي خدشته، وهو لهذا كان يتألم. كان يريد أن يقول لها إنه لا يهرب من أحد، وإنه على استعداد، لو يلزم، لمواجهة العالم أجمع. أحس كما لو كان هناك شرخ في صدره، فما قالته كان صحيحًا، في بعض منه، لكنه لم يكن يمكنه قبوله، ففضل ألا يسمعها حتى النهاية. وفي الأخير، قال لنفسه: أنا لا أهرب من أحد، إلاها! كان مثل هذا الشعور من الارتباك غريبًا عنه حتى تلك اللحظات، وكان لمُحَنْد انطباع من وضع نفسه في ورطة لا خروج منها. قالت له بديعة:

- اطلب مني الآن أن أخلع ثيابي، وأن أستلقي تحت فخذيك، اطلب مني، هيا، ولكن قل لي إنك ترغب فيه لأنني أنشده بدوري، وإنه لن يكون لإشباع نزوة من نزواتك الأنانية.

حرك مُحَنْد رأسه يمنة ويسرة، يسرة ويمنة، ثم رماه على مَسند المقعد الوثير. كان يبدو عليه أنه غائب تمامًا، وكانت كلمات بديعة أبعد ما يكون عما اعتاد على سماعه. كان يحس فيها نوعًا من المودة القاسية، وكانت هذه الكلمات تسلبه أفكاره أو تعيدها إليه، لم يكن يعرف تمامًا. كان الشيء الوحيد الذي وجد قوله:

- لقد اعتدت على تحقيق كل رغباتي.

فكر قليلاً ثم أضاف دون أن ينظر إليها:

- قررت النوم معك كما لو كان الأمر مفروغًا منه، لأنني كنت واثقًا من...

كان على وشك القول "لأنني كنت واثقًا من نفسي"، لكنه سعى إلى خداعها:

- لأنني كنت واثقًا من موافقتك، ولأجل أن أنجز مهمتي مطمئنًا هذا المساء.

نبرت، شرسة، عنيدة:

- إذن لن تنجز مهمتك مطمئنًا هذا المساء، يا سيد ماندريان مُهَنْد. أليس هكذا يخاطبك رؤساؤك؟ ماندريان مُهَنْد! فهم لن يقدروا على لفظ الحاء مثلنا، حتى ولو قضوا عمرهم كله في التدريب على ذلك.

فكر: تكشف أقنعتي! أول ما فتح عينيه، لم يجد سوى أمه إلى جانبه. كان أبوه قد مات في الهند الصينية، فأعطته أمه اسمها: ماندريان. أنت فرنسي الأصل، يا بنيّ!... لم يكن أبوك جزائريًا إلا بالاسم... كان أبوك بطلاً من أبطال حرب الهند الصينية... كان أبوك ضابطًا كبيرًا في الجيش الفرنسي... كان أبوك يريد أن تكون طيارًا عسكريًا... وكيلا يكون المجد شمس الموتى، ماندريان مُحَنْد طيار عسكري في الجيش الفرنسي... إنه مجدنا جميعًا!

جثا على قدميها، وطلب:

- انظري إليّ جيدًا.

نظرت إليه. تأملته مليًا. كانت تعرف ما يريد، فأفلتت، وهي تشيح بوجهها عنه:

- ولكنك ذاهب هذا المساء لقتل رفاق سلاح زوجي!

سقط القناع الأخير. رفاق سلاح زوجها! انتهى بها الأمر إلى قولها إذن، وكانت حقيقية، صادقة، أخاذة، كالصورة في مرآة. فكرت بديعة في زوجها، في بعض الليالي التي قضاها معها بين مهمتين. لم تكن بعد قد خرجت من ذلك اللولب الجهنمي. كانت تغور فيه بعمق لحد ألا تخرج منه بسهولة.

جذبت مُحَنْد بين ذراعيها، وأخذت تقبله من شفتيه، ومن خديه، ومن عينيه، قائلة له، وهي تسكب دمعها الساخن:

- لماذا لا تعترف؟ لماذا تعاند؟ أليس لك قلب؟

همس:

- إنها الأوامر.

- الأوامر، الأوامر! هذا الأمر مجرم، أولاً ضد نفسك التي لا تستطيع هذه المرة أن تقرر ما تريد أن تفعله، وبعد ذلك ضد رفاق سلاح زوجي الذين هم أخوتك بالدم إن شئت أم أبيت.

استشاط غضبًا:

- كفى!

- سماعك الحقيقة يدفعك إلى الغضب؟

- لا، سماعك تتهتهين! منذ وصولي، وأنت تتهتهين!

نهض، وسار عدة خطوات. وقف قرب النافذة، رفع الستارة بإصبع راجفة، وقال كمن يحادث نفسه:

- يحاربون فرنسا! الدولة العظمى! لأي هدف؟ الاستقلال. ولكن لماذا؟ نحن الدولة العظمى، فرنسا! لماذا يريدون انسلاخهم عن فرنسا، الخارجون على القانون هؤلاء؟ نحن فرنسا! هذه حقيقتنا!

كان يستمع إلى كلامه. كانت كل كلمة مزيفة. نبرت:

- أنت تقول هذا لأن أمك فرنسية!

- أنا أقول هذا لأنني رجل عاقل.

- أنت تقول هذا لأنهم جعلوك مزيفًا، ولأنك لا تجرؤ على التفكير، حتى ولو للحظة واحدة، كجزائري!

- أنا لا شيء آخر غير كوني أنا.

- أنت تقول هذا لأنهم كبلوك بأفكارهم، ولأنك منذ نعومة أظافرك يخضعونك، ويربونك على هواهم!

- أنت لا تعرفينني جيدًا كما أرى.

- أنت تبحث عن الهرب منك، عن الهرب من نفسك!

- أنت على درجة كبيرة من الذكاء، وأنا أحسدك!

- أنت تخشى مواجهتي أم مواجهتك؟

- أراك متحررة الأفكار اليوم!

- متحررة الأفكار، نعم، وفي هذه اللحظة على الخصوص، أنت من جعلني أكتشفها، أفكاري الحقيقية.

- رويدك! لا تبذلي جهدًا كبيرًا. أنا لا أجبرك على فعل ما لا تريدينه. وبالمقابل، تجعلينني أشك في كل معنى علاقتي بك.

- حتى وأنا أنظر في وجهك وأرى أنهم يزورونك؟

- ربما.

- كيف هذا، ربما؟

أخرج مُحَنْد علبة سجائره من جيبه، وأشعل واحدة. قال:

- يجب عليّ الذهاب. علينا الاجتماع لدراسة أدوارنا، ودومًا ما يجري هذا في اللحظة الأخيرة لتحاشي أقل تهريب، فالسر المحفوظ يكون مع النجاح المؤكد. سأعود لرؤيتك غدًا أو بعد غد، وسأقص عليك كل شيء بالتفصيل، وهكذا ستبدلين رأيك.

أخذ يداعب وردة اصطناعية لونها أصفر موضوعة في مزهرية، وهو يفكر: لن أعود أبدًا. كان في قرارة نفسه يخشى رفاق سلاح زوجها الخارجين على القانون، الإرهابيين، الفوضويين، المجاهدين، المقاومين، ال... لست أدري ماذا. حفنة من الرجال الذين يقاتلون فرنسا! فرنسا زعيمة أوروبا بأساطيلها العسكرية وبرج إيفلها وقوس نصرها وشانزلزيها! وفي الناحية الأخرى، بنادق تعسة، ومقاتلون يتغذون على البلوط والأعشاب والفئران البرية. كانوا يقاتلون فرنسا، و... يصمدون!

منذ قليل، كان يفكر في الهرب بعد أن كشفت بديعة ما كان يعرفه ولا يقبله. كان قناعه قد تمزق، لكنه كان على الرغم من ذلك يحتفظ به. "منذ نعومة أظافرك يخضعونك"! في إحدى المرات، وهو يرى نفسه في بزة الطيران العسكري الفرنسي، كان قد فكر أن البزة ما هي سوى ثوب. لأنه لم يكن يعرف أباه. وفي ذلك الوقت، كان قد قال لنفسه: أحتاج إلى فعل، فعل واحد، أن أخلع الثوب. لكنه لم يكن قد ابتعد أكثر. كان يعرف جيدًا من كان، لكنه لم يكن يجرؤ على الاعتراف بذلك.

قال مُحَنْد غائبًا بعض الشيء:

- أعرف أنهم سيضعونني في رأس السرب، ليكونوا واثقين من أنني أول من سيلقي قنابله. سأقود السرب، وسأقصف، سأقصف حتى أدمرهم جميعًا. هذا هو عملي.

سألت بديعة بنكهة من التهكم في صوتها:

- وحتى متى ستقصف؟

أجاب بنصف ابتسامة:

- ككل جندي، حتى يتيحوا لي الفرصة لفعل شيء آخر.

ماتت نصف الابتسامة على شفتيه. رأته يسود، ويغرق في الانتظار والروع. كل وجوده كان يتوقف على هذه الفرصة التي سيتيحونها له. اقتربت بديعة بيدها من يده، وجعلته يجلس قربها. أخذت وجهه بين يديها، وهمست بعينين محمرتين:

- إنهم ليسوا أشرارًا إلى هذه الدرجة، الخارجون على القانون هؤلاء.

همس بدوره بعينين مبيضتين:

- ربما ليسوا كذلك، لكنهم ضدي، وأنا لهذا أقاتلهم.

- هم ضدك أم أنت ضدهم؟

قهقه بمرارة، واعترف:

- في إحدى المرات، فكرت أنني لا شيء أكثر من ثوب، بزة نظامية!

أضاف هامسًا:

- حتى تتاح لي الفرصة لفعل ما هو معاكس.

- بإمكانك أن تفعل شيئًا هذا المساء.

رفع رأسه المثقل، وهو يرميها بنظرة مهمومة، ولم يفه بكلمة.

- بإمكانك أن تفعل شيئًا هذا المساء، اغتنم الفرصة، وإذا لم تستطع، احرق البزة النظامية.

كانت تريد أن تحزر فكرته، أن تجرب رد فعله. تابعت:

- أتعرف؟ الفرص تصنعنا، ونحن نصنعها. أنت بحاجة إلى مواجهة الحقيقة أكثر من حاجتك إلى فرصة، لكنك جبان. هذا كل ما هنالك. تظن أنك بحاجة إلى فرصة، ويقف الأمر عند هذا الحد، دون أن تفعل شيئًا. أنت تنتظر أن يقدمها أحد لك، هذه الفرصة الكريهة، وعندما يحصل ذلك، تفعل كل شيء لإضاعتها.

أدار مُحَنْد لها ظهره، أمال رأسه، وأخذ يتأمل حذاءه الأسود اللماع. قالت بديعة بنبرة استبدادية، على طريقة أمه:

- اسمعني جيدًا... أريد أن أجعلك تفهم أنني عندما رفضت النوم معك، أخذني ذلك دفعة واحدة ودون حساب من طرفي. لقد صنعت فرصتي المناسبة التي كنت بحاجة إليها، صنعناها سويًا، لنواجه الحقيقة برأيينا. وأنت، حسبما قلت لي منذ قليل، حصل لك التفكير في أنك لا شيء أكثر من ثوب، بزة نظامية. حصل لك ذلك دفعة واحدة ودون حساب، وكانت الفرصة المناسبة التي تنتظرها، لكنك تركتها تذهب دون أن تفعل شيئًا.

- هذا هو أكثر ما يزعجني.

- أنت من يقول هذا؟

- أنا من يقول هذا.

- أنت، النسر الصاعق؟

- أنا، النسر الصاعق.

رسم ابتسامة تعسة، ورفع الرأس ليحلق في السماء البيضاء للصالون. وبخته:

- إذن ماذا تنتظر؟ هيا! اذهب وقاتلهم! ربما ستغير فكرتك عنهم، ستتحقق من كونهم ليسوا خارجي على القانون، بينما هم يمطرونك بوابل رصاصهم. هيا اذهب! لنرى إلى أي مدى يمكنكما الصمود أنت وفرنساك!

كان له كتفان ثقيلان لدرجة أنه لم يكن يستطيع رفعهما. أطفأ سيجارته، وقال بنظرة يائسة: 

- كيف تريدينني إقناع نفسي بأن عليّ أن أكون المهزوم لأصبح الهازم؟ إن الأمر معقد للغاية، وأنا شخصيًا، لا أستطيعه، لن أستطيعه. ليس الأمر على مثل هذه السهولة كما تتصورين: أن أخلع الثوب أو أن أمتنع عن النوم معك أو أو ألا أذهب لقتالهم فقط لأنهم كانوا رفاق سلاح زوجك.

أغمضت بديعة عينيها، ومع ذلك، أشار إلى صدره بحركة تعبة قبل أن يواصل:

- أنت لا تدركين معنى كل هذه الأوسمة، أنت لا تدركين معنى أن تقتل ومن تقتل... الفكرة الوحيدة حول هذا الطيار، الفرنسي في رأسه وبزته، ابن الجزائري والفرنسية، تغير كل شيء. لأنني أكلمك عن كل هذا، وأسمع لصوتي نشازًا، كقيثارة ارتخت أوتارها، وأواصل الكلام كأن العالم ملكي. هذه هي مشكلتي، أعيش في عالم أمتلكه، ورغم كل الأكاذيب التي يحتوي عليها، يبقى عالمي.

أمسكها من ذراعها، وهزها، ففتحت عينيها، وأغرقته في بحيرات الحيرة. هتف:

- ربما أضعت فرصتي المناسبة، لكن هذا لا يعني أنني لا أشتهيك ولا رغبة لي في امتلاكك الآن أكثر من أي وقت مضى.

بدأت بديعة تخلع ملابسها بعصبية، وهي تردد كمن أصابها مس: اشته! ارغب! امتلك!

أخذها مُحَنْد بين ذراعيه، وقبلها. بوحشية. أدمى لها شفتيها، بينما كانت تستسلمُ، تَخْضَعُ. عندما تركها، وأغلق الباب من ورائه، أخذت تنتحب انتحابًا كاد يخنقها. بعد ذلك، نهضت بديعة، والتصقت بالحائط، واحتكت بالحائط، وهي تصارع الإعصار الأعظم. تلوت قطة في بطنها، فماءت، وسقطت على الأرض. زحفت حتى المرحاض، وقذفت مائعًا ساخنًا أصفر، موت الشهوة، في الوجع والحشرجات.

 

II

نزلت بديعة من تاكسي قرب الأوبرا، وهي تضع نظارتها السوداء. فكرت أنها ملكت أشياء كثيرة، وفي الوقت نفسه فقدت أشياء كثيرة. كانت تشعر بالسعادة لرجوعها إلى دارها القديمة ذات الأحجار الرطبة، والتي تقوم في حي القصبة منذ أجيال. سترجع إلى دارها. ستعود إلى المكان الذي ولدت فيه. ستجثو أمام أخيها الكبير طالبة إليه الصفح.

فكرت بديعة أنها حققت بعض الأحلام منذ ماتت أمها، وأن عاطفتها الجامحة ورغبتها المدمرة في تحقيق هذه الأحلام التي كانت تطاردها مراهقة وامرأة وأرملة لا حد لهما. وفي كل مرة يوضع فيها أحد أحلامها في الميزان، كان أخوها الكبير يهددها: سأقتلك لو فعلت، والله سأقتلك! وفي النهاية، تركها تفعل ما تشاء، لا لأن هذا الأخ المتعجرف المستبد كان قد تغير، ولكن لأنه لم يعد باستطاعته إعالة عائلته الكبيرة. لم تهرب بديعة من الدار. وعلى العكس، كانت قد حددت الوقت الذي عزمت فيه على الرحيل. في آخر مساء، وسائر إخوتها وأخواتها يلتفون بها، قالت لأخيها البكر، وهي تضع ابنة أخيها في حضنها: أمحروم على النساء إلى الأبد أن يتكلمن؟ لكن ما علمتني إياه في الكتب يعارض ذلك. إن كوني امرأة لا يمنعني من قول الكلمة الأخيرة! وليبدو أنه رجل العائلة، ضربها ضربًا مبرحًا وهددها بالسكين، إلى أن تدخل الجيران، فطردها، وهو يرتدي ثوب القاسي: إلى عرض الطريق! وإذا حصل وأمسكت بك، والإله الأعظم قتلتك! هيا، بره!

كانت بديعة قد خرجت إلى عرض الطريق، وبسرعة فهمت أن هناك من سيرعاها طالما وُجد أمثال مُحَنْد ماندريان. لم تكن بحاجة إلى كثير من الوقت لتنسى أنها صنعت من أجل الإنجاب، واعتادت على العيش وحيدة، واستقبال من يبثها قليل الدفء في الليالي الباردة، دون أي قصد آخر.

لم تقف عند هذا الحد. كانت تريد أشياء كثيرة. أشياء أخرى غير التي حصلت عليها. أشياء لم تستطع الحصول عليها. ولكنها في نهاية الأمر فشلت. عندما استطاعت أن تسكن في شقة فخمة، أن تختار ما يعجبها من ثياب، أن تقرأ ما تختاره من كتب، وأن تعاشر من تشاء، عندما استطاعت أن تستعيد حريتها كاملة، وجدت نفسها تواجه الشخصية الغريبة التي أصبحتها ونجاحها الناقص. كانت قد أصبحت أخرى. لأن زوجها كان يسرق لياليه لينام معها، لأن رغبتها في ابنة لا تغادرها، ابنة تكون لها، وتقوم بتربيتها. استيقظ كل هذا فيها. كانت في الواقع بحاجة إلى كل هذا، دونه لن تكون لحياتها أي معنى، ولن تصل أبدًا إلى التألق. لم تكن ترى لحياتها سوى انعكاس واحد، انعكاس القذارة النظيفة! كان ذلك كما لو كانت تغوص في الرمل. لم تكن تستطيع الخروج منه بسهولة. كانت تحاول، لكنها لم تكن تتمكن من توفير الشروط المطلوبة لذلك، فتقول لنفسها إن عليها التخلي عن هذه الأحلام الكاذبة، والعودة إلى حياتها الأولى، إذا كانت عائلتها على استعداد لقبولها.

فكرت في أخيها البكر، في إخوتها الآخرين وأخواتها، في أهل القصبة، وأحست بالنقص الطبيعي في جوهر الأشياء. ومع ذلك، كانت قد أحست في ذلك الصباح بنفسها خفيفة، خفيفة خفة الريشة. لكن هواجسها السيئة جعلتها قلقة. كانت تخرج وتدخل في رأسها تحت شكل دوامة بلا نهاية. عجلت الخطو، وقالت لنفسها، وهي تفكر في أخيها الكبير: سأذهب لرؤيته وليحصل ما يحصل! كانت تسير بحثًا عن الشجاعة، فقطع المسافة على القدمين يترك لها الوقت لتفكر. توقفت أمام واجهة زجاجية جميلة، ومن خلف نظارتها السوداء، تأملت فستانًا أخضر اللون بياقة صغيرة بيضاء اللون. تخيلت نفسها بنتًا صغيرة من بنات المدارس، وابتسمت لنفسها. كانت تتمنى لو أنهت دراستها الابتدائية، لكن أخاها ارتأى أن يعلمها العربية بنفسه والتاريخ والجغرافيا. امحت ابتسامتها. يجب عليّ الذهاب لأراه. وبعزم، عادت تغذ السير، وهي تحاول أن تتخيل هذا اللقاء المفاجئ، والنتائج التي يمكن أن تند عنه. كانت ملامحها الصارمة لا تموه جمالها، وتجذب النظر إليها، نظر العطوف والمعجب. أنا لا أخشى مواجهته. يجب عليّ الذهاب لأراه. كان لديها انطباع أنها تسحب جسدها من ورائها، جسدًا تحاصره النظرات. كانت تُدَوِّمُ، بتخوفاتها وآمالها، وقدماها يرفضان التقدم.

جعلت الأفكار السوداء خطواتها أكثر صعوبة. لم تكن حياتها إلا فكرة كاذبة، اختراعًا تافهًا. لو أعطاها زوجها تلك البنت التي طالما تمنت أن تكون لها لاختلف الأمر. لمن تنذر هذه الحياة التي تتفسخ قليلاً قليلاً؟ ستترك من ورائها ثقل الموت والعقم.

دفعها أحدهم بقوة، وهو يعتذر، لكنها حادت بسرعة. راحت كلمة "عفوك" التي رماها بها تطن في رأسها، وعادت ترى النظرة العابرة والحيوانية لذلك الرجل الذي لم يكن ليتردد عن سحق جسدها تحته. كانت تقول لها أمها: أنت جميلة، وردة خلابة! سأعمل لك حرزًا، فأنا أخاف عليك من العيون الشريرة، وعندما تتعرين لحمامك، سأقوم ببعض الشعوذات! كانت الأم تبتسم سعيدة: ما هي سوى شعوذات، لكنها شعوذات ناجعة كالدواء! عندما كنت صغيرة، علمني إياها شيخ دجال كان يتردد على دارنا، وغالبًا ما كان يغازلني. كانت العجوز تتفاخر: كنت جميلة، يا ابنتي، جميلة للغاية! كان يهمس في أذني "أنت فتانة! سأعمل لك حرزًا يمنعهم من تزويجك لفتى مستهتر". كانت تحرك أصابعها قبل أن تضيف: كان يحرق بخورًا خاصًا بجلسات السحر، ويقول لي "انظري كيف أجمع هذه الأشياء لأعمل منها تعويذة، واحفظي الصيغة عن ظهر قلب". كانت أكاذيب، لكنها أكاذيب حقيقية! وكانت تعترف: في النهاية، كان يقول لي، وهو يلمس نهديّ "سيحفظك هذا الحرز من العين الشريرة! آه! كم أنت حلوة. وفي الغد، سآتيك بحرز آخر لتتزوجي من فرنسي، بهي الطلعة!"

كانت بديعة تتقدم ببطء، والعابرون يرمونها بنظرات كلها رغبة واشتهاء. في الماضي، كان يسرها أن ترى كيف يشتهيها الرجال. لم يكن أي سوء في ذلك، بل على العكس. كان ذلك أشبه بدعوة سرية. كان المهم ألا تلبي الدعوة، وأن تضاعف الرغبة لديهم دونما حاجة إلى أي حرز. كانت أمها تنصحها بخصوص الحرز: اجعليه تحت المخدة، هناك حيث تضعين رأسك، وانتبهي إلى عدم لمسك إياه أو شم رائحته خلال النوم! إياك أن تلمسيه، إياك أن تشميه، إياك... إياك... إياك... كل هذه الوصايا التي لا نهاية لها! في الوقت الحاضر، تعود إليها الوصايا تحت شكل آخر، بعبثها ذاته، ولكن بأكثر عنفًا. كانت تحملها فيها. تمنت لو تدفنها دفن الموتى، ومعها هذا الماضي الذي كانت تريد الهرب منه. ومع ذلك، كان هذا الماضي هو الذي تذهب إليه، وكان ذلك أقوى منها.

فجأة، جذبها صفير من تأملاتها. كان مظلي ينفخ بكل ما أوتي من قوة، وإذا برجل يقفز أمامها، ويركض بسرعة قصوى. حاول بعض الفرنسيين الإمساك به، لكن الرجل كان ينطلق كالسهم ما بينهم. سدد المظلي بندقيته، وقتله برصاصة واحدة.

جذبت بديعة رائحة البارود والموت، فراحت تجري لترى الرجل عن مقربة. سمعت حولها همسات تردد: إرهابي! فوضوي! خارج على القانون! مقاوم الخراء!... لكن للرجل لم يكن مظهر المقاوم. كان يشد شالاً من الحرير الأزرق في يد، وفي الأخرى سلسالاً من الذهب.

وصلت سيارة إطفاء، وهي تثير الضجيج، وتزيد من التوتر، بينما كانت بديعة تفكر: الموت لسرقة الحرير والذهب كالموت لأجل الوطن!

صاح المظليون بالناس:

- تفرقوا! تفرقوا!

سأل أحد العابرين آخر:

- ماذا فعل؟

- ألقى قنبلة.

- لم أسمع شيئًا.

- بلى بلى، ألقى قنبلة لكنها لم تنفجر.

- لم أر شيئًا.

- بلى بلى، كما أقول لك.

- كما تقول لي كيف؟

- ألقى قنبلة.

- يالله! حماقات ما تقول!

والمظليون:

- تفرقوا! تفرقوا!

 

أيتها النخلات! أيتها النخلات التي تمتد جذورها في أعماق الأرض! على باب القصبة المحاصرة، داعبت بديعة جذع إحدى النخلات، ورأت مظليًا، وهو يدفع شيخًا مسنًا بعقب بندقيته، ويسأل الجزائري العجوز:

- إلى أين أنت ذاهب هكذا بهذه القفة؟

لم يجب هذا الأخير. فتشه المظليّ، فحص ما في القفة، وتأكد من أوراقه، وهو يعيد:

- إلى أين أنت ذاهب هكذا بهذه القفة؟

أخيرًا، قرر الرجل العجوز أن يجيب، فتلعثم:

- أسكن في الِمْدِيَّه، كنت عند ولدي، وأنا الآن أعود إلى بيتي.

ألح المظليّ بفظاظة:

- إلى أين أنت ذاهب هكذا بهذه القفة، أعيد عليك، أيها الكلب الكهل!

- وأنا أعيد عليك...

لكن صفعة منعته من الإنهاء.

- تحمل الطعام للفلاقة، قل هذا صحيح!

صاح الشيخ:

- ليس صحيحًا!

أفرغ المظليّ القفة على الأرض، ودفع العجوز الجزائريّ في سيارة عسكرية، ثم التقط بديعة من كتفها.

- إلى أين أنت ذاهبة هكذا بكل هذه الأناقة، يا سيدتي الجميلة؟ أتمنى ألا تكوني من الفلاقة!

قهقه المظليون الآخرون. أعطتهم ظهرها، وواصلت طريقها. رماها العسكريون بكلمات ماجنة، وتبعوها بأعينهم حتى اختفت في أحد الأزقة.

صاح الأولاد:

- الفرنسيسة! الفرنسيسة...

قالت بديعة لنفسها، وهي محتنقة الوجه: هذا لا يبشر بالخير! ابتسمت رغم ذلك. الفرنسيسة! الفرنسيسة! وما لبثت أن سمعت بعض النساء يهمسن:

- أليست هذه بديعة، ابنة حدة، السحارة؟

- تلك التي خرجت عن عاداتنا وتقاليدنا؟

- كأنها هي!

- ليست هي! لهذه شعر قصير أصفر! حسبما سمعت، الأخرى ماتت مقتولة!

وهي تسمع لهن، فهمت بديعة أنها جاءت تطلب المستحيل. لن يعرفوها. كانت عائلتها تسكن القصبة منذ أكثر من مائة عام، لكنهم لن يعرفوها. الفرنسيسة! الفرنسيسة! لن يعترفوا بها.

طرقت باب دارها القديمة، وانتظرت مدة طويلة أن ينفتح الباب. أطار فستانها هواء ساخن يهب من أعماق الزقاق المعتم، وشعرها، وأفكارها الغامضة. أصابها صداع مفاجئ، فوضعت يدها على رأسها، وعادت الأسطوانة إلى الدوران: لن يعرفوها... لن يعرفوها... كانت بحاجة إلى الجلوس على الأرض، إلى وضع رأسها على صدر أحدهم، إلى حك جسدها بالإسمنت. لن يعرفوها. قررت أن تطرق الباب من جديد، لكنها لم تكن تقدر على القيام بأقل حركة. صعد في حلقها غثيان صغير راح يكبر، وهبت العاصفة في أحشائها. دوامات دارت بها، دارت الأرض تحت قدميها، وسقطت فاقدة الوعي.

 

لم تفتح بديعة عينيها إلا على صوت المؤذن الذي يؤذن لصلاة المغرب. وجدت نفسها بكامل ثيابها في سريرها القديم، سريرها الواطئ، الأبيض، النظيف. مرت بيدها على فرشة القطن واللحاف الوثير، وشمت الرطوبة المثملة، رطوبة الجدران. رفعت يدها، ووضعتها على الحجارة الناتئة، ثم على الأرض التي بلطوها. تركت نفسها تُحمل على موجة من السعادة، وهي تغمض عينيها محبورة، مفتونة... إلى أن اختطفها صوت أخيها الكبير فجأة من تلك الغبطة ليلقي بها في عرض الجحيم. أحست بالجدران الرطبة تلفظها رغم وجودها ما بينها.

قال أخوها الكبير لزوجته:

- عند عودتي، لا أريد أن أراها في بيتي، وإلا عنفتك كل تعنيف العالم. ربما سأتأخر حتى مطلع الفجر، فإياك أن تقلقي. اذهبي إلى إحضار الأولاد من عند عمتهم، عشيهم عشاء طيبًا، واجعليهم ينامون باكرًا. أما عن هذه، إذا عدت ولم تصرفيها، قتلتك، وقتلتها، وقتلت الأولاد، وقتلت نفسي. هل تسمعين؟ عليك أن تطردي الحشرة! اطردي الحشرة!

نهضت بديعة، وهي تتحامل على نفسها. لبست حذاءها، وخرجت من الحجرة. جاءت سلفتها إلى لقائها، فسألتها بديعة بنبرة حانقة:

- أين ذهب؟ أريد أن أكلمه.

كانت للأخرى هيئة الدهشة والإعجاب، وكانت تنظر إليها بعطف وحنان. أخذت يدها، وجرتها إلى فرشة مطروحة على الأرض دون أن ترفع عنها عينيها اللتين تفيضان بالمودة.

انتهت إلى قول:

- كم أنت جميلة! لقد ازددت جمالاً، يا الغالية!

وضمتها إلى صدرها بحرارة.

تابعت السلفة:

- اشتقنا لك، يا الغالية!

انفجرت بديعة باكية، وسألت:

- لماذا يعاملني هكذا؟ لماذا يسميني حشرة؟ أنا أخته قبل كل شيء!

مسحت السلفه لها دموعها، وحكت:

- في اليوم التالي لرحيلك، ذهب أخوك إلى المسجد لصلاة الفجر، ولم يرجع حتى ساعة متأخرة من الليل. كان ملطخًا بالدم! فزعت، وعندما سألته دم من هذا، أجابني بصوت هادئ، بارد، صوت ميت أبدًا لن أنساه، إنه دم بديعة. صحت: يا جبار! هل قتلت بديعة؟ هل قتلتها حقًا؟ أغلق فمي بكف ترتعش لئلا يسمع الجيران، وأعطاني قنينة صغيرة قائلاً "هذا هو دمها الدنس، صبيه في البالوعة، وإياك أن تلفظي اسمها مرة أخرى! بديعة ماتت، بديعة ذهبت إلى غير رجعة!" وها أنت تعودين إلى الحياة! لم يقتلك زوجي إذن؟

نظرت بديعة إلى جديلتي سلفتها المصبوغتين بالحناء، وأعجبها كيف ضفرتهما بعناية. تابعت حركة أصابعها التي تملس إحدى الجديلتين، وترمي الأخرى على ظهرها. نظرت إلى وجهها الصغير المدور، وإلى ثغرها الذي لا يعرف الابتسام إلا بالصدفة. نظرت إلى عينيها اللوزيتين تحت جبين ضيق، المطليتين بكحل غزير، وإلى أذنيها، المزينتين بقرطين طويلين من الذهب، إلى ذقنها التي نقرها عصفور مهاجر. وضعت ذراعًا حولها، وقالت، مثقلة بالحزن:

- لا، لم أعد إلى الحياة. بديعة الأخرى التي تعرفينها ماتت. قتلها زوجك!

- لم أعرفك في البداية، حسبتك فرنسية. أخواتك كبرن كلهن، كل منهن لها زوجها، لكن ولا واحدة منهن تشبهك. كيف فعلت؟ كم أتمنى أن أصبح مثلك، يا الغالية!

نجحت بديعة في كتم عواطفها، وليس قلقها، أو حزنها، وهي تسمعها تضيف:

- كم أحب! لا، الحق أنني أريد أن أصبح مثلك. كليًا.

تراجعت بديعة أمام رغبة كهذه، وقام جدار من الوهم بينهما.

- وزوجك، ألا تخافين من قتله لك كما قتلني؟

ردت بابتسامة واسعة:

- لم يقتلك، كان يكذب.

- بلي، قتلني. أنا بديعة أخرى.

نهضت، وهمست شبه غائبة:

- في ذلك الوقت، لم أكن أعرف أن جديلتيك، المصبوغتين بالحناء، تخفيان رغبة كهذه.

كانت على وشك الذهاب عندما أبقتها سلفتها:

- ابق قليلاً، علميني!

- ماذا تريدين أن أعلمك؟ أن تكوني شخصًا آخر غيرك، شخصًا زائفًا؟

- فقط علميني. أخوك الزائف، من لا يقول الحقيقة! لقد كذب عليّ! الدم الذي صببته في البالوعة في ذلك الوقت كان دم أحد الخونة. عرفت ذلك فيما بعد. سمعت ذلك من فم أخيك، وهو يكلم صاحبًا له. إخوتك الصغار لم يعودوا يسكنون معنا، تفرقوا في البلاد، فسمح أخوك الكبير لنفسه باستقبال هذا الصاحب أو ذاك من وقت إلى آخر. وكما قلت لك، سمعت ذلك من فمه هو نفسه، أن الدم ليس دمك.

خفضت صوتها:

- احتفظي جيدًا بسر سأكشفه لك، يا الغالية. إن أخاك من الثوار!

دفعتها بديعة عنها بكل قواها، وهربت. راحت تجري كيفما اتفق، فقطعت كل أزقة القصبة للوصول حتى الكورنيش. كان البحر إلى يسارها. كان يمتد بجلالة، وكانت نظرات العابرين في المساء الأزرق تلاحقها. ولكن ما العمل للهرب من مدينة بأكملها؟ أن تركب سفينة وألا تعود؟ أن تقتل نفسها؟ هكذا كان أخوها مقاومًا، ثوريًا. كان دم الخائن يشبه دمها. أحست أن المدينة تبقيها. كان عليها أن تثبت للعالم أجمع أن الدم الذي صبته سلفتها في البالوعة ليس دمها. كان عليها أن تثبت للعالم أجمع أن دمها أحمر، حلو وساخن. كان عليها أن تثبت للعالم أجمع أنها جديرة بالاحترام كأي امرأة شريفة. لكن بالنظر إلى الحال التي كانت توجد فيها من الصعب إثبات ذلك، ورأت من المفارقة أن يغدو هذا الأخ بطلاً بسكبه دم أخته.

لا، بديعة لم تمت، لم تهلك، لم يزل دمها يسيل في عروقها. كمُحَنْد، كانت تحتاج إلى فرصة مناسبة لتخلع قناعها. ربما وجدها هو، هذه الفرصة المناسبة، فمن يدري؟

 

فكر مُحَنْد، وهو يحلق فوق روابي سور الغزلان، وهو يلقي القنابل على رؤوس "إخوته": لا بد أن هناك شيئًا من الجنون في كل هذا، جرائم يدعونها مآثر أو انتصارات! وأفلت قنابله بينما تحت، كان الآخرون يطلقون بأسلحتهم المضحكة. ومع ذلك، نجحوا في إسقاط طائرة حربية من الكوكبة. سقطت الآلة كطائر وحشيّ ذي أجنحة محترقة.

- آلو، رقم 33! ألو، رقم 33!

لكن الرقم 33، طيار الطائرة التي هوت، لم يكن يجيب. لم يتمكن من قذف نفسه.

فكر مُحَنْد: أنا الرقم 13! قائد كوكبة الموت! لقتل الخارجين على القانون! فكر أيضًا فيما وعدت قيادته: إذا أسكتوا بنادقهم قلدكم الجيش الفرنسي الوسام الأمجد، وسام النصر! وسام يؤمر به لمن لا يتردد عن التضحية بنفسه في المعركة!

استدار مُحَنْد عائدًا، وتبعته المقاتلات الخمس التي لم تصب. لم تكن خسارة إحدى الطائرات تعني نهاية المعركة، لكن مُحَنْد آثر العودة إلى القاعدة. ذريعة؟ تطهير الروح. وذلك الوسام الذي يساوي الموت؟ كان لا يهمه ذلك. قرر أن يتخلص من كل الأوسمة والميداليات التي حصل عليها لينقص من قيمة بزته. هكذا يصبح له من السهل خلعها. سيقولون: هذا الذي قاتل أبوه بشجاعة في الهند الصينية، يخلع بزته، ويخلّي واجبه. يهرب، ولكن أين؟ وكيف العمل للهرب من مدينة بأكملها؟ هذا السؤال، طرحته بديعة على نفسها، وخلصت إلى أن من اللازم أن تبتعث الفرصة الجيدة التي ستساعدها على إثبات من هي بالفعل.

وهو يحط على أرض المطار، فكر مُحَنْد أنه يخوض في تلك اللحظة معركته هو، وأن من اللازم الكثير من الشجاعة للذهاب حتى النهاية.

 

III 

وهي تصعد الدرج، التفتت بديعة، وابتسمت: كان ضابط فرنسي سمين يجر قدميه جرًا بضع درجات من ورائها. خلع كاسكيته فجأة، وأخذ يلوح بعصاه بعصبية.

قال حانقًا:

- أنت تسكنين في بناية عالية، في الطابق السادس، غير أنك تدعينهم هكذا، لخمولهم، هؤلاء المضجرون من القادة العجائز، دون إصلاح المصعد!

توقف قليلاً ليسترد أنفاسه، فأمالت المرأة الجميلة رأسها، ونظرت من الأعلى إلى شعره الخفيف الأبيض، وإلى جبهته العارقة، وابتسمت من جديد.

قالت:

- لم يبق سوى طابقين!

رفع القائد قدمه بصعوبة كبيرة، وحاول أن يطمئنها:

- لا تظني أنني هالك إلى هذه الدرجة، هذا أبعد من بعيد، فلم أزل أتمتع بكل قواي وبحيوية أُحسد عليها.

حاول تعجيل صعوده، لكنه ما لبث أن عاد إلى سرعة السلحفاة التي كانت له. أخرج من جيبه منديلاً أبيض كبيرًا، ومسح جبهته.

تابع:

- سأتصل غدًا برئيس الخدمات الفنية في البلدية ليرسل في الحال بمن يقوم بإصلاح مصعد الماخور هذا! كأنه يتعطل عن عمد في اليوم الذي آتي فيه لزيارتك!

انطفأ الضوء مع وصوله قرب بابها، فأضاءت بديعة. فتحت الباب، وقالت له:

- ادخل!

لحق بها... أخيرًا. كانت عضلات بطنه تختلج، ونفسه يكاد ينقطع.

- لم أكن أعلم أن من أجل دخول الجنة من اللازم صعود كل درجات الماخور هذه التي تقطع الأنفاس حتى لضابط شاب!

داعب ردفيها بعصاه، وأطلق ضحكة راعدة، ثم دخل.

في الداخل، بدأ القائد القول، وهو يلقي بنظراته الشبقة:

- سأختار مكانًا مريحًا أكثر من الصالون. أفضل الذهاب، والذهاب حالاً، إلى حجرة النوم. نعم، هذا ما أفضل. سنستريح فيها كما ينبغي. معي، لا حاجة بي إلى مقدمات الخراء وكل مواخير المخادعة والمراء!

وقرصها من خدها.

مالت بديعة، وقالت بغُنج:

- إن السيد القمندان يعرف دومًا اختيار المكان المناسب في الوقت المناسب! أنا أيضًا لا حاجة بي إلى أية مقدمة.

وقبلته بحماسة.

أطلق القائد ضحكته الراعدة من جديد قبل أن يتباهى:

- أنا لست قائدًا بالاسم، أليس كذلك؟ وفريستي، يعني أنت يا عاهرتي الجميلة، على صورتي. لدينا نحن الاثنان الأفكار الشنيعة ذاتها، فما يجدينا أن ننفق حياتنا نسعى إلى ما نسعى إليه بشكل موارب بما أن الهدف واضح منذ البداية: المضاجعة! نعم، المضاجعة! والمتعة دون إضاعة لحظة واحدة!

وأراد ضمها بين ذراعية، فلم تدعه بديعة. أخذته من يده، وجرته إلى حجرة النوم.

خلع القائد ثيابه أمام المرآة، فقالت بديعة، وهي تأخذ منه سترته:

- السيد القمندان صديق قديم، وما أنا هنا إلا لأُمَتِّعَه، وهذا، هو يعرف هذا جيدًا.

 ردد، وهو يرمي ثيابه هنا وهناك:

- أعرف، أعرف. وأنت، أنت تعرفين جيدًا أنك عاهرتي المفضلة.

أمسكها، وشدها بقوة إلى صدره. قلبت بديعة رأسها إلى الوراء، وهي تضحك، فلثم عنقها بهمجية. مزق قميصها، وتناول أحد نهديها في فمه.

همهم:

- أتعرفين؟ لو يطلبون مني الآن الذهاب لقمع عصابة من الخارجين على القانون الذين يهاجمون مقر الحكومة بقاذفات الصواريخ، فالحق أنني لن أفعل. بين ثدييك وكل ماخور الخراء هذا، هما نهداك ما سأختار.

وقبّل نهدها الآخر.

سكنت بديعة على حين غرة، ومن جديد هاجت دوامة أفكارها السوداء.

رددت، وهي تدفعه عنها بعيدًا:

- يا قمنداني العزيز! يا قمنداني العزيز!

اتجهت نحو الباب، بينما الآخر يحتج معترضًا:

- إلى أين أنت ذاهبة، يا بغية؟ أقول لك إنني أختارك أنت على الذهاب من أجل الدفاع عن مقر الحكومة، وتتركينني هكذا، يا ماخور كل المواخير!

تدلعت:

- إنه مخلص، صديقي القديم، وأنا أحب هذا!

- مخلص أنا؟ على قفاي الإخلاص وكل المخلصين! قولي بالأحرى، مهتاج لدرجة لم يعد يمكنني كبح ذلك. عودي هنا.

عادت.

- اخلعي ثيابك، وبسرعة!

خلعت ثيابها.

سار باتجاهها، ورفعها بسهولة كمن استعاد فجأة شبابه. ارتعشت بديعة على ملمس جسده المكسو بالشعر كالحيوان.

قالت بثبات:

- على مهلك، يا قمنداني! الليل كله أمامنا!

تردد القائد قليلاً، ثم تركها تقف على قدميها.

- ليدخل قمنداني في الفراش، وسأحضر له شيئًا يشربه.

قال القائد، وهو يحتوي تهيجه بشكل أفضل:

- حقًا ما تقولين، الليل كله أمامنا، لا شيء يدفع إلى الإسراع، وليدمروا ماخور الحكومة ذاك!

- إذا ما تمكنوا من ذلك، يا قمنداني؟

- ليدمروه، يا ماخور الخراء!

- إذا ما تمكنوا بالفعل من تدميره؟

- على حذائك!

- قمنداني ليس جادًا.

- بلى، على حذائك!

- لا، إنه ليس جادًا.

- على حذائك! على حذائك! على حذائك! وعجلي بإحضار ما يُشرب.

- حالاً، يا قمنداني.

سارت خطوتين، ثم استدارت نحو القائد الذي قال دون أن يخفي اضطرابه:

- أنت لم تكوني تتكلمين بجد. قولي لي إنك كنت تضحكين، يا ماخور الخراء!

- لا، لم أكن أضحك، يا قمنداني.

- إذن أنت لم تكوني تضحكين، يا ماخور الخراء!

- لا، لم أكن أضحك.

- يا ماخور ماخور الخراء!

- لكن فرنسا دولة عظمى، يا قمنداني! تنشر أصابعها كالأخطبوط!

وضحكت عن عمد.

أعاد الضابط الأبله:

- نعم، كالأخطبوط! كنت أعرف، أنت لم تكوني تتكلمين بجد. هؤلاء الفحامون المساكين الذين لا يساوون شيئًا لن يستطيعوا أبدًا الوصول إلى مقر الحكومة إلا إذا اصطادوا الأخطبوط وقضوا عليه، أو، على الأقل، إذا تمكنوا من قطع أصابعه.

ألقت بغُنج:

- والأخطبوط هو أنت!

أخذ وجهه العريض وبطنه الضخم يهتزان، فقال آليًا:

- نعم، كما تقولين، الأخطبوط هو أنا.

أطلق ضحكته الراعدة قبل أن يضيف:

- شخصيًا، أنا أتمترس في شقتك. لهذا أنا لا أخاف كل عاهري خراء الخارجين على القانون  هؤلاء، الذين لن يستطيعوا أبدًا الوصول إليك. ربما استطاعوا الوصول إلى مقر الحكومة، ولكن أبدًا، أقول أبدًا، إلى حيدرا، أرقى حي في الجزائر. ثم مصعدك معطل، وهم لن يجرؤوا، أبدًا لن يجرؤوا، على أخذ الدرج لصعود ستة طوابق على القدمين كما فعلت أنا بشجاعة وتحد لسني! دعينا من كل هذا، واحضري لي شيئًا أشربه! نعم، احضري لي شيئًا يثمل لي مصاريني! هذا أفضل من الحديث عن هؤلاء البائسين! كيف استطاعوا الدخول في رأسك الجميل؟ أنت لم تصنعي لهذا، يا صغيرتي بديعة، أنت لم تصنعي سوى للمضاجعة، هل تسمعينني؟ فقط للمضاجعة.

- نعم، يا قمنداني.

- احضري لي إذن شيئًا أشربه.

دخل في فراش بديعة الزهريّ اللون بينما بقيت هناك دون حراك.

سألت:

- هل هم خطرون إلى هذه الدرجة؟

- من؟ هؤلاء البرابرة؟ بالطبع هم خطرون. لا تفكري فيهم! أنت لم تصنعي سوى للمضاجعة، يا ماخور الخراء! احضري لي شيئًا أشربه!

- نعم، يا قمنداني.

- عجلي!

- حالاً، يا قمنداني.

- شيئًا أشربه.

أحضرت بديعة على صينية فضية زجاجة ويسكي وكأسين وصحنًا من الفواكه وسكينًا كبيرًا.

قالت:

- ها هو ما يُشرب، يا قمنداني.

سأل الضابط:

- مع سكين كبير كهذا! لماذا؟

أجابت:

- لتقشر بديعة التفاح لقمندانها العجوز الصغير!

- ولكنك أبدًا لم تقشري لي أية تفاحة. زد على ذلك، أنني لا أحب التفاح المقشر. أحب قضمه هكذا – قضم واحدة – فلم تزل أسناني قوية. أحب قضمه كخدي كل جمال يُعرضان عليّ. أحب مداعبته كالأجساد التي تداعب بعضها في الحريم والتي تنبثق من أعماق حلمي. ردفاك، بطنك، ثدياك، كل هذا يهتز على إيقاع دربكة إلى حد الجنون، هذا هو حلمي، وما أنت هنا إلا لتحقيق كل استيهاماتي.

قالت بديعة، وهي تفكر في هذا الجانب الأساسي من وضعها، المكشوف عنه للمرة الأولى:

- إذن سيكون التفاح المقشر لي.

تناولت السكين بيدها، وقالت لنفسها: ما أنا سوى هذه الصورة التي في رأس هذا الفرنسي- وعبره كل الغرب –... قناع. إذا قتلته، وضعت حدًا لانتحالي. كانت الطريقة الوحيدة للفعل مع ذلك الصراع الذي يعيث في البلاد فسادًا. وكان القناع بالأحرى مزدوجًا لأنها فعلت كل شيء من أجل استغرابها، وفي الوقت ذاته، كانت على الرغم منها امرأة بين نساء توحي بهن رقصة البطن لكل نفس آتية من الناحية الأخرى للشروق. انعكس الضوء على شفرة السكين، وكان عليها أن تقطع أصابع الأخطبوط! كانت فكرته قبل كل شيء. وهي، الجسد الخاضع، كان عليها أن تتّبع كل وصايا قمندانها العجوز الصغير الذي صب لنفسه كأس ويسكي، وجرعه دفعة واحدة.

همهم متقززًا:

- هذا الويسكي مغشوش، يا عاهرة الخراء!

كانت بديعة قد أضافت إليه منومًا.

- ومع ذلك، هذا كل ما عندي من ويسكي، يا قمنداني.

جعلته يشرب كأسًا ثانية، ثم ثالثة، ثم رابعة، ثم... كانت تشعر أنها تقترب من نقطة البدء، منها، من بديعة ابنة حدة، السحارة. من بديعة، أخت المجاهد. من بديعة، صاحبة المائة عام من العزلة في القصبة. من بديعة التي خرجت منذ قليل من سجنها لتخترق المدى الأوسع. من بديعة، زوجة الخارج على القانون الذي كان قد تركها وحدها دون أن يصنع لها ابنة تسد عليها فراغ حياتها. من بديعة التي كانت أمها تقول لها أنت وردة تخلب العقل، وكانت تريد لها رجلاً قادرًا على هزيمتها في السرير. اقتربت بديعة الجديدة من القديمة. والسكين في يدها. مع انعكاس شفرة السكين. وقررت أن تلتقط نفسها، أن تمحو الحياة التي قضت في حبك تفاصيلها الأعوام تلو الأعوام. لم تكن تلك الحياة تساوي أكثر من بضع دقائق تلزمها لتتحرر منها، أكثر من صرخة تطلقها أشبه بصرخة وليد. كانت الفرصة أو عدمها. جذبت الضابط بين ذراعيها، وطعنته. تدفق الدم. لطختها أمواج الدم. مات الأخطبوط. أطلقت بديعة صرخة من الرعب والجنون، ثم ضبطت نفسها. انفجرت باكية. كان الأخطبوط قد مات بالفعل.

 

رن جرس الباب بصخب، فوضعت بديعة الجثة بهدوء على السرير، ورمت غطاء فوقها. لم يكن سوى مُحَنْد من يأتي على تلك الساعة من المساء. فتحت الباب بسرعة، ووجدت نفسها أمام طيارها. شُده مُحَنْد لرؤيتها، وهو يراها مغطاة بالدم من الرأس إلى القدم. وفي الأخير، نطق:

- ماذا فعلت؟ 

أجابت بديعة دون تردد:

- لقد قتلت الأخطبوط. يستطيع المقاومون الآن تدمير مقر الحكومة.

قال مُحَنْد بصوت قوي ومنفعل، وهو يهزها من كتفيها:

- أنت معتوهة تمامًا!

تركها، وراح يبحث في الحجرات. بعد عدة لحظات، خرج من حجرة النوم شاحب اللون، وطلب مذهولاً:

- كيف أمكنك ذلك؟

أخذت بديعة مكانًا على الكرسي المذهب قربها، وقالت والذهب ينعكس على وجهها:

- كان من اللازم أن أفعل شيئًا، شيئًا كهذا. آه! كم كان الأمر سهلاً! كان الأمر سهلاً جدًا! لم يكن يمثل أيًا من التعقيدات التي من العادة أن نضيع فيها. حركة، حركة فقط، طعنة خنجر أو طلقة رصاص، بعض الأمواج التي تقود يدك، وينتهي كل شيء على أكمل وجه.

فكر مُحَنْد: لقد أصبحت مجنونة! إلا أنه رأى في شرارة عينيها العكس تمامًا: كانت شديدة الصحو. سأل، وهو يحس بنفسه سائرًا على الماء في حالة من الضياع:

- منذ متى وأنت تنوين، لنقل وأنت تخططين لجريمتك؟

وكأن صِلاً لدغها:

- اسمعني جيدًا أيها الأبله المصاب بالفُصام! شخصيًا، لم أعد أنا. أنا أتوافق مع الواقع، وآخر ما يهمني ما ستكون النتيجة. لقد أنجزت أول فعل حر في حياتي.

ذهب مُحَنْد إلى النافذة، ولمح تحت عمود الكهرباء رجلاً متوسط الطول كان ينظر باتجاهه. صرح، وهو ينظر دومًا من النافذة:

- أتعرفين؟ أنا أيضًا أنجزت أول فعل حر في حياتي.

أطلقت بديعة ضحكة تشنجية، وقالت متهكمة:

- يا للمتمرد! أول فعل حر في حياتك!

استدار نحوها، دون أن يبالي بنبرتها المتهكمة، دون أن يفكر أنه سيلعب دور البطل، دون أن ينتظر أن تتهمه أو تدافع عنه. بالنسبة له، كل القضاة ماتوا. كشف بهدوء جم:

- لقد استقلت. لم أعد عسكريًا. أنا الآن رجل عادي، أشبه بالآخرين.

اعتدلت بديعة في جلستها، وفكرت قليلاً، ثم أطلقت ضحكة من جديد، وطلبت مصدومة بعض الشيء، مكبوتة بعض الشيء:

- هل هو دور جديد تلعبه، يا مُحَنْد؟ قل لي إنه دور جديد تلعبه لتكون بطلاً آخر.

- أنا الآن رجل عادي، أشبه بالآخرين. لا أكثر، ولا أقل.

سألت بديعة بعد لحظة من الصمت:

- وماذا تنوي أن تفعل؟ أن تقتل الأخطبوط؟

ابتسم، وأخذ مكانًا قربها:

- لقد سبقتني إلى ذلك.

- إذن شيئًا آخر.

أخذ يدها، وقبلها.

- هذا يتوقف.

- على ماذا؟

واصل تقبيل يدها، كفها...

- على صمودي خارج البزة.

- ورغم ذلك عليك أن تقرر القيام بالخطوة التالية.

- أنا حائر! لا أعرف بعد متى سأقوم بالخطوة التالية هذه.

احتدت بديعة، فاضطر مُحَنْد إلى ترك يدها:

- ما أنت سوى أحمق! نسر أحمق! لقد انتهيت في اللحظة التي استقلت فيها. هيا! اذهب وجد لك أخطبوطا، أخطبوطا آخر، واقتله! بمثل هذه الطريقة ستدخل التاريخ. ستكون الطريق أكثر سهولة إذا ما اهتديت بنفسك إلى نقطة الانطلاق. ما عليك سوى أن تجدها، وستجعل من الجزائر، لنا جميعًا، ميناء أمن وسلام.

نبر ساخطًا:

- وأين سأجدها نقطة الانطلاق هذه؟ حبة الرمل هذه على شاطئ شاسع!

- اصعد إلى الجبل! لماذا لا تلتحق بالمقاومين؟ لأنهم لا يمتلكون طائرات بعد؟ التحق بهم، وقل لهم إنك تريد طائرة. سيجدون لك واحدة. إذا لم تكن لديهم نقود لشرائها، سرقوا لك واحدة، المهم أن تلتحق بهم.

- أن أصعد إلى الجبل، هكذا...

- كيف يفعل الآخرون في رأيك؟

- أريد القول دون اتصال أولي.

- دون أي اتصال أولي.

- أنا، ابن جزائري مات لأجل العلم الثلاثي الألوان في الهند الصينية؟ أنا، ابن فرنسية كانت ربيبة الكولونيلات الذين ينتمون، وهم بعيدين عن ثكناتهم، إلى عالم التقريبيات؟ أنا، النسر الصاعق القادر على سحق إخوته بإسقاط القنابل عليهم بكثير من الدقة والصرامة؟ أترين؟ الأمر يختلف بالنسبة لي.

انحنى، وقال بعد لحظة من التفكير:

- بعد أن تحررت من الجيش، شعرت بالعار من نفسي!

- العار هو ألا تذهب للالتحاق بهم. هل تعتقد أنهم حفنة من البرابرة والخارجين على القانون؟ إنهم هم، يا عزيزي مُحَنْد، الذين يقاتلون الأخطبوط أينما وجدوه، ويصرعونه. اسمع... أول ذي بدء عليك أن تقتل أخطبوطا تحمله على ظهرك. سيكون ذلك إشارة سلام وانضواء تحفظك طوال الطريق.

إشارة سلام!

هبت في رأس مُحَنْد ريح صرصر، انتزعت إشارة السلام، وتركته يقف وحيدًا في وجه الجبل الذي يريد الصعود عليه. لم يعد يفكر كبطل، أما هي...

قال لها بأكثر ما يكون الجد:

- أنت تفكرين كبطلة.

أجابت مستاءة:

- إذن لا جدوى منك، ولا جدوى من الحديث معك!

- صحيح ما أقوله لك. أنت لا تفكرين فقط كبطلة، أنت بطلة! اللطخات التي على وجهك وكل جسدك تجعلك مفزعة، ومع ذلك، لدي رغبة في أخذك بين ذراعيّ. أنا في أمس الحاجة إلى ذلك!

اعترفت:

- أنا أيضًا في أمس الحاجة إلى ذلك. لكن قبل كل شيء أريدك أن تساعدني في إيجاد طريقة لدفن أخطبوطي دون أن يجلب ذلك المتاعب لي.

- عليك أولاً أن تأخذي حمامًا.

- ربما كنت مصيبًا.

- ليس هناك أفضل من حمام ساخن بعد شغل قذر.

- شغل قذر، في رأيك؟

- الأمر يختلف في حالتك. في حالتك الأمر التزام.

وهي في طريقها إلى الحمام، سمعته يضيف:

- أنا أحسدك، يا بديعة، لو تعرفين. إنه البرهان على أن التزامك كلي. لكنه ليس التزامي، على الأقل ليس بعد... هل تعرفين أنني فكرت في ترك الجزائر لأجل الخلاص من كل هذا، والذهاب إلى السويد أو إلى موسكو؟

توقفت:

- ولماذا موسكو؟

- لا لشيء. إنها أول مدينة فكرت فيها.

عادت إلى الصالون، عارية، جسدها المخضب بالدم، على بعد خطوات منه. كانت الأنهر العربيدة التي اجتاحت جسدها قد رسمت هنا وهناك بعد أن جفت خطوطًا على شكل أصابع دقيقة جدًا ومتعرجة إلى ما لا نهاية. كان يراها على مقربة منه عارية، وفي صدره طبقات من الجليد تحاصر كل إحساس، كل عاطفة. كان هناك، كتمثال عاجز. كانت رغبته قد تلاشت. كان هناك، كالحيوان الذي لا يرغب في شيء. كان يود لو يفقأ عينيه، لو يثقب أذنيه، لو يقيء أحشاءه، لكن قرصًا سميكًا في حلقه كان يمنعه من بصق روحه.

- تعتقد أن الهرب هو الوسيلة الوحيدة لمحو شعورك بالإثم؟

- ربما، ومع ذلك أعرف أنني لن أكون في سلام أبدًا، سأكون مثقل الضمير دومًا.

أخذت طريقها إلى الحمام ثانية. تأمل وَرِكَيْها السمراوين، ورِدْفَيْها المدورين. كانت هذه الصورة تثيره، لكنه ظل لا يبالي بها. كان يشمئز من نفسه. لان القرص السميك في حلقه أمام المائع الأصفر ذي الرائحة الخبيثة التي تحولت إلى بركان على وشك التفجر.

لقد انتهى مُحَنْد ماندريان. لقد أنهى عليه عن عمد محرقًا إياه مع بزته. لقد ولد مُحَنْد آخر، مُحَنْد آيت إبراهيم، مُحَنْد سيدي علي، مُحَنْد بلقاسم. لقد ولد، عاريًا، ولبرودة الليل، أصيب بالزكام. ودون أن يعلم، كان يفكر بأنفه. قال له صوت باهت: أنت تفكر بأنفك، فأدرك أنه كان يفكر بأنفه، وأنه كان بحاجة إلى حساء ساخن كما يجب وحبتي أسبرين. كان بحاجة إلى فراش وثير في حجرة مُدفأة كما يجب، لكن لم يكن الشتاء! كان يهلوس...

كان قد فكر في ترك الجزائر، في الذهاب إلى السويد أو إلى موسكو، وقال لنفسه: لقد أسمت ذلك هربًا وأنا فشلاً. إنها ثمرة الفشل، القهقرى. مسعاي مسعى الغربة للغريب، المسحور بالتغرب. إنه لمن الحمق ألا أحمل الراية، ألا أشارك في المعركة، من الناحية الصائبة هذه المرة، ألا أساهم في تدمير مقر الحكومة، أن أنهزم... إنه لمن الحمق أن أنهزم في اليوم نفسه الذي أقرر فيه اتصالي بالعالم. كيف يمكنني الاتصال بالعالم إن لم أكشف عما يعتمل في صدري، ومواجهة ما يعتمل في صدري؟ طبقات من الرواسب تغطي نظري إلى الأشياء وتزيفه. عليّ أن أسحق بقدمي كل هذه الرواسب، عليّ أن أضع حدًا لها... وبعد هذا أقول الرحيل! لأنني لا أستطيع البقاء! أنا ريشة في مهب الريح! آه! يا إلهي. تجتاح قلبي عاصفة رهيبة! ما العمل؟ ماذا عليّ أن أفعل؟ عليّ أن أقوم بالخطوة الأولى. عليّ أن أختار حقيقة من الحقائق: إما أن آخذ الطريق التي ستقودني إلى الشعلة المضيئة لاسم مُحَنْد آيت إبراهيم، وسأضيء كالنجم، وإما أن أعود طريقي، أن ألبس ثوب مُحَنْد ماندريان، هنا، في السويد، أو في موسكو، سيكون الأمر سواء!

سار عدة خطوات باتجاه الحمام، وبقي قليلاً، وهو يسمع الماء يسيل، ثم قرر الذهاب. دفع باب المدخل، تركه مفتوحًا على مصراعيه، ونزل الدرجات أربع أربع، وهو يفكر: لن تجدني! كان بالأحرى مسرورًا من ألا تجده، وأن تبحث عنه متسائلة: لماذا ذهب؟ كيف استطاع أن يتركني وحيدة مع جثة الأخطبوط؟ كيف استطاع أن يفعل لي هذا؟ لسوف تفكر في أفضل طريقة لإخفاء الجثة دون أن تصل إلى ذلك. ستقول لنفسها: يا له من شخص غريب، هذا الطيار الذي يقدم استقالته لهوى مفاجئ! دون البزة، هو لا يساوي أكثر من ذبابة!

أبطأ النزول، وأنهى الدرجات الأخيرة بخطوة مثقلة. كان الغثيان المتصاعد في جوفه يطويه اثنين. من ناحية كان يود لو يقيء روحه، ومن ناحية ثانية كان يمنع ذلك. كانت في أحشائه شجرة صبار تمزقها، فتساءل: أي الطريق الأكثر ضمانًا للصعود إلى الجبل؟ لو أمسكوه في سور الغزلان لعلقوه، لقطعوه إربًا. لا شيء يمنعهم عن فعل ذلك، ولا حتى ذكرى أبيه، الكولونيل الفرنسي من أصل جزائري، البطل الذي سقط في الهند الصينية. لا ميدالياته ولا أوسمته ستمنعهم من أن يريقوا حقدهم، ولا كلماته التي سينطقها بلغته الدارجة طالبًا رحمتهم.

قال مُحَنْد لنفسه: سأصعد إلى الجبل مهما حصل، سأبدأ من هناك مهما كانت الصعاب!

تقدم من الرجل الذي كان قد رآه من النافذة، وهو يلاحظ أنه لم يترك مكانه تحت عمود الكهرباء، وأن الليل يترك آثارًا قاتمة على وجهه. اختفى الغثيان. كان يردد في رأسه لنفسه: سأصعد إلى الجبل... كان راضيًا. سأصعد إلى الجبل مهما حصل! سأقتل الأخطبوط فيما بعد! حيى الرجل، وهو يمر أمامه. لم يدرك أنه تكلم بالفرنسية، اللغة التي من العادة أن يقول بها للآخرين صباح الخير أو مساء الخير. تلقى ضربة عنيفة على رأسه، شيء آخر غير جواب لطيف على تحيته، أحد تلك الأجوبة التي نختبئ بواسطتها وراء الكذب والرِّياء. سقط على الأرض، لكنه نهض بسرعة، وهو يترنح. اقترب الرجل منه، فانقض مُحَنْد عليه صائحًا: أنا صاعد إلى الجبل كأي بطل من عندنا! أطلق الرجل من داخل جيبه ثلاث رصاصات فجرت رأس "البطل"، وتقوض جسد مُحَنْد.

 

ارتدت بديعة ثيابها بسرعة، وهي تنادي مُحَنْد عدة مرات دون أن تحصل على جواب. أغلقت باب المدخل، وخفت لتطل من النافذة، وفضولها يدفعها إلى معرفة من أين جاءت طلقات النار. في الوقت ذاته، طرق أحدهم على بابها، فأفزعتها جسامة الطرقات وفُجاءتُها. سارعت إلى فتح الباب، وهي تكاد تفقد الصواب. كانت الصورة الأخيرة التي في رأسها تلك الجثة الضائعة المعالم الملقاة على الرصيف، وكان الزائر قد راح يطرق الباب بكلتا يديه. ظنت بديعة أن مُحَنْد يعود، فلم تنظر من عين الباب. وما أن فتحت، دفعها الزائر، ودخل. عندما عرفته، جمدت في مكانها، ثم نجحت في النطق:

- من؟ أنت!

كان أخوها الكبير.

أحكم غلق الباب، وأطفأ الضوء. غاص كل شيء في الظلام والمجهول.

قال الأخ الكبير لبديعة:

- لهذا لم أقتلك، حكمت عليك بالموت، لكن الجبهة رفضت. قال رؤسائي إننا سنحتاج إليك، وقالوا أيضًا إن في عروقك دمًا حارًا.

سكت. ثم، بعد لحظة:

- فكري في العمل معي، كل شيء يتوقف على صِدقك.

لم تستطع حبس دمعها، وضعت رأسها على صدر أخيها، وانفجرت باكية.

همست:

- قل لي إنك كنت تريد هذا أنت أيضًا، وليس فقط رؤساؤك. قل لي إنك كنت تنتظر هذه اللحظة دومًا، وإنني أستحق مغفرتك. ليس فقط لأنني أريد ذلك، أنا، ولكن أيضًا لأنك موافق. قل لي إنني فتاة طيبة، فتاة جيدة، وجديرة بالثقة. قل لي! قل شيئًا! لا أريدك أن تذهب قبل أن تقول لي!

ابتعد عنها، مسح دمعها، ربت على خدها، ثم أقعى معها قرب النافذة. اعترف الأخ الكبير، وهو ينظر إليها في عينيها:

- هناك لا بأس من الأشياء أحب التكلم فيها معك، أشياء كثيرة. نفذت حكم الموت في خائن منذ بضع دقائق، لهذا يتحتم عليّ البقاء عندك حتى الفجر.

ابتسمت. سيحميها أخوها، ولن تخاف من النظرات المخلة بالحياء. لن تخاف من نظرتها الخاصة بها. كانت الحياة أسئلة عزة النفس تلك التي عليها واجب الإجابة عنها. جثة الأخطبوط التي كانت تخفيها في حجرة النوم مثلاً، والتي سيعينها أخوها على التخلص منها. بانتظار ذلك، بقيا هكذا دون حراك. لكنها تحت نظرة أخيها أحست بنفسها تغدو ثقيلة كفراشة من الحديد، كورقة من النحاس، كطائر من الرخام. اختفت ابتسامتها، وتصاعدت ضجة متزايدة كانت تملأ الكون. خطوات مذعورة ومدحورة كانت تركض كأنها تريد الخلاص من خطر الموت. صفارت قريبة وبعيدة كانت تتقاطع. نوافذ مربعة ومستطيلة كانت تنغلق، كانت تنفتح، كانت تنغلق، كانت تنفتح، كانت تنغلق. نفير سفينة معلنة عن رحيلها كان يتعالى. قالت لنفسها، وهي تتعلق بكتف أخيها، إن هذا كله، كل هذا ينذر بعودة الدوامات. فجأة، تهيأ لها أنهم سينتزعونها من حيث كانت ليلقوا بها في جوفها الأعمى، أنهم سيمزقون الصورة الأخيرة التي رأتها في الخارج، صورة حقيقية وليست ظاهرًا خادعًا، على الرغم من جور العبث في تلك الجريمة. غلّ الماضي الحاضر، وبدا المستقبل لها غير أكيد. لهذا بقيت تتعلق بكتف أخيها الكبير، وهي تنتظر حركة من يده، ترقب اللحظة التي تشعر فيها بنفسها خفيفة من جديد، نهاية الجُسوء، الأمر بالوقوف.

 

الجزائر 1969.07.14

 

* من "الأعشاش المهدومة" المجموعة القصصية الأولى لأفنان القاسم 1972 بمناسبة نشره للأعمال الكاملة.

 

 

 

 

Views: 35

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)