Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

يبدو لي لأن يكون المرء ذكيًا، من الجوهري أن يكون حذرًا، حتى من نفسه.

بول ليوتو

 

الحذر أبو اليقين.

جان دو لا فونتين 

 

 

بعد منتصف الليل بقليل، وأضواء المصابيح الخافتة تتسلل بكلل من أردية الحلكة، كنت أرود أزقة القدس القديمة، وكان احتكاك أجنحة فراش الليل يصل إلى أذني بوضوح. وأنا أرفع رأسي، لاحظت غيومًا قاتمة تزحف، وتنتشر بثقل. غدا الليل أكثر فأكثر سمكًا، وكان ذلك غريبًا في ليلة من ليالي الصيف. أطرقت بصري، فرأيت حذائي ملوثًا بالطين. تعجبت! لم أصل إلى معرفة متى حصل هذا. قلت لنفسي إنني عبرت على التأكيد طريقًا لا يسلكها الكثير دون أن أدري. حاولت التذكر، ولكن بلا جدوى. انحنيت، وبأصابعي أخذت أمسح حذائي: رأسه، طرفه، نعله. حُفر، بلاط، حطام، خطوات غير متناسقة، انزلاقات، تعثرات ربما: عشت كل هذا دون أن أعرف كيف. لا بد أن الأمر كان مثيرًا!

انتصبت، وأنا أزفر طويلاً. فركت أصابعي، وتركت كتفًا أعلى من الآخر، وأنا أفكر أن هذا ليس موقف شخص يحذر حتى من نفسه. بقيت هكذا مدة دقيقة، دون حركة، وأنا أقول لنفسي إنني كنت في حالة من شرود الذهن، وإن ذلك كان أقوى مني. دفعتني نسمة باردة إلى التحرك من جديد. أول ما فعلت خفضت كتفي، وأنا أسحب نفسًا عميقًا. وقبل أن أعود إلى السير، ألقيت نظرة على حذائي، فدفع حذائي في وجهي لسانه.

لماذا كنت في الخارج ليلاً، ما بعد منتصف الليل، وفي تلك الليلة على التحديد؟ هل كنت أسير فقط لمتعة السير أم لأنني كنت مجبرًا على ذلك؟

الحقيقة أنني بعد زيارة طالت لصديق، وأنا أريد العودة إلى منزلي الكائن في القدس الجديدة، وجدت باب العامود مقفلاً. كان إشعار من رئيس البلدية يحدد: يقفل باب العامود على الساعة العاشرة كل مساء، ولن يفتح إلا عند صلاة الفجر، وهذا اعتبارًا من أول حزيران. تحذير للعامة. حرر في 1967.05.25.

أمضيت مدة طويلة، وأنا أتأمل إعجابًا إمضاء رئيس البلدية المهيب، الذي يصعب تقليده، وأنا أفكر أن الحذر لا يستثني دومًا عدم التبصر، وأن باستطاعتي تعريض نفسي للعديد من الأخطار. بعد ذلك، أدرت ظهري للإشعار، وعدت إلى السير. خطر على بالي أن أعبر من باب آخر يكون مفتوحًا، أو أرجع عند صديقي قائلاً: أقفلوا باب العامود، وسرعان ما سيفهمني. كان بإمكاني النزول في أول فندق لا تنطفئ لافتته طوال الليل، لكن لم تكن رغبتي في السير ليلاً وحدها التي جاءت بي هنا، إذ أنني أبلغ من العمر ما يجعلني قادرًا على قمع أية رغبة. كان مجرد التفكير في أنني أسير بعد منتصف الليل، في أزقة القدس القديمة، بعد منتصف تلك الليلة على الخصوص، يكفي لمحو كل علامة تعجب أو استفهام يثيرها ذلك الوضع حولي.

 

قال لي صديقي، وهو يهز رأسه بعصبية، وهو ينحني قليلاً نحوي:

- غدًا، أقول لك غدًا، من البداهة أن يهجموا غدًا، أؤكد لك.

لم يقل سنهجم. كان محررو الخراء أولئك قد عودوهم على الكلام عنهم بضمير الغائب كما لو كانوا يتكلمون عن غرباء. كنا غرباء لأنفسنا. حربنا كانت شغل الآخرين. قوتنا كانت في موضع آخر. لهذا كانت حربًا خاسرة سلفًا.

أعاد بشعور القوي، القوي جدًا، هو الضعيف الذي كان:

- أقول لك غدًا، يا رب السماء، سيهجمون غدًا.

وأنا، ماذا كان موقفي؟ كنت أنظر إليه بعين نصف مغلقة، وأشد على يده، الممدودة على الطاولة القصيرة التي كانت تفصل بيننا، يد نصف متينة. لم تكن لدي رغبة في النوم، على العكس، كانت الأحداث من الجسامة بحيث لا يمكن للعيون أن تغمض كل مساء، هانئة مطمئنة. لم تكن لدي رغبة في إبداء قوتي، كانت كل قوانا لا شيء مقابل قوة العدو. كنت الوحيد الذي يفكر أن الحرب سيكسبها "تساهل" سلفًا. ربما لأنني لم أكن أسمع الراديو كثيرًا، أو لأنني كنت حذرًا، أرتاب، وأخاف، ومن طبيعة وجلة، قليلاً ما أميل إلى الثقة بالناس أو المستقبل.

أضاف صديقي مع إحساس بالقوة تفلت منه.

- كنت أتوقع أن يهجموا اليوم، لكنهم لم يفعلوا. سيهجمون غدًا، أنا أحدس ذلك، أنا أحزر ذلك.

كانت تسحرني خصلاته السوداء، هي أيضًا كانت تهتز بعصبية كلما أخذته الحمية.

سألته:

- أتعرف فيم أرغب هذه اللحظة؟

أطلق صيحة حماسية كما لو أنه اصطاد سمكة كبيرة:

- أن يعطوك بندقية، أن يقودوك إلى الخطوط الأولى، وأن تطلق، تطلق.

ابتسمت لخصلاته المجنونة، لأنفه الدقيق. لم أكن أريد صدمه، لكني لم أكن أستطيع إخفاء ما يقعد على قلبي:

- كنت أعتبرك ذكيًا حتى الوقت الحاضر، لكنك تخيب أملي.

انتصب:

- ماذا؟

نفض رأسه. كان ذلك كافيًا لخصلاته السوداء كي تهتز، وتهز خيالي. تركته ينتظر قليلاً قبل أن أقول له:

- لك شعر جميل! يمدك بقوة كبيرة على الإغراء. يا له من حظ!

رد متوترًا:

- أنا لا أفهم.

تركته ينتظر من جديد. لاحظت خديه يحمران، صُدغيه ينتفخان.

- أنا لا أفهم. أوضح بسرعة وإلا لكمتك!

وأنا أراه يرتعش أمامي كاللهب بين أصابع الريح، أشفقت عليه. لم أقل له إنني أرغب في مداعبة خصلاته، إنني أفكر في أنني وقعت أسير جماله. لم أقل له إنني أريد أن أحيطه بذراعيّ، وبينما هو يقاومني، أن أجز شعره كالجدي.

قلت:

- سيهجمون اليوم أو غدًا أو بعد غد، لا يهم متى، لأنهم سيهجمون على التأكيد هذه المرة. شخصيًا، أنا أفكر في النصر مثلك، لكني أفكر فيه على طريقتي. لدي طريقتي الخاصة بي في التفكير، حتى في الانتصار.

- كيف؟ أنا لا أفهم.

- سأوضح لك.

ذهبت إلى النافذة، فتحتها، وانحنيت خارجها. كان هناك صبية مجردون من كل شيء، وهم يصيحون، ويهتفون للحرب.

قلت، وأنا أعود إلى مكاني:

- يُحَيّي الصبية الحرب.

قال صديقي:

- يبدو أن الكل يهنئ نفسه بالحرب ما عداك! ليس من الحسن أن تكون حذرًا مرتابًا إلى هذا الحد عندما يقطع مصير شعب بأكمله لحظة تاريخية كهذه.

- حاسمة، يجب القول لحظة حاسمة.

- إن شئت، لحظة حاسمة.

- دومًا ما كنت هكذا عندما يتعلق الأمر بحالة عصيبة. شيء أقوى مني.

- ستكون هذه الحرب حاسمة، وسنكسبها رغم كل تشاؤمك.

- أنت، ما يهمك، هو النصر، أليس كذلك؟

- نعم.

- ما ترغب فيه، هو هزيمة إسرائيل، أليس كذلك؟

- نعم.

- ما تأمله، هو استرجاع الفردوس الضائع، أليس كذلك؟

- نعم.

- وأنا أيضًا.

استشاط غضبًا:

- أنت تهذي! ما هذا الهذر؟ أوضح!

أحددت نظري إليه، ثم:

- أريد أن تخرّقني بالرصاص!

أعاد كلماتي، غير مصدق.

أضفت:

- نعم للنصر. لكن هذه الحرب لن تأتنا إلا بالألم والبؤس. لن يكسب داوود الصغير الذي هو نحن أبدًا ضد جالوت، العملاق العبري. لا، لست انهزاميًا، أنا حذر مرتاب كما قلت، وقبل كل شيء أنا شخص يفكر.

- تسمي هذا "تفكير" أن تطلب مني إطلاق الرصاص عليك؟

- في هذه اللحظة الحاسمة، أو إذا شئت التاريخية، ستنتحرون كلكم ما عداي. لهذا أريد أن أكون أول من يموت، ولأثبت لك أنني لست خائفًا من الموت. أنا أطلبه منك، لكني أعرف أنك لن تفعله، لأنك جبان.

 

في حارة النصارى، ذرعت زقاقًا طويلاً معتمًا عند نهايته قليل من الضوء. وقفت تحت المصباح لأنظر إلى ساعتي. كان الوقت يمضي رتيبًا. بقيت هناك، وأنا أنظر إليه، وهو يمضي، دون أن تخل نظرتي بنظام إيقاعه الأبدي. وماذا لو تندلع الحرب الآن؟ كان السؤال ينتهي مع علامة الاستفهام، ومع ذلك كان "الآن" يتجاوز، كما أرى، الزمن الحاضر، وكان هذا بالنسبة لي شيئًا غير مألوف، نعم هذا ما كان، كان كل شيء يبدو لي غير عادي.

التفت حولي، وأنا آمل في الوقوع على شيء استثنائي. ثم عدت إلى ساعتي، وأنا أحسها باردة حول معصمي. لمنعي من الارتعاش، أقنعت نفسي بالتقدم. قطعت حشرة الفضاء الجامد أمام عينيّ كالسهم، وملأ طنينها أذنيّ. قامت بنصف دورة، وعادت تقصفني. لمحت وميض عينيها، وقدرت مدى عزمها. عندما قررت خوض الحرب ضد الحشرة الليلية، وراود الحشرة الشعور بالهزيمة أمامي، اختارت الابتعاد، لتهيئ بشكل أفضل هجومها الجديد، كما كنت أفترض. رأيتها تحلق بعيدًا عني، قرب المصباح. لوحت بقبضتي مهددًا، لكنها تجاهلتني تمامًا.

خفضت رأسي، وتابعت طريقي. كان من اللازم الذهاب إلى مكان ما. كان من اللازم الاختيار بين قضاء باقي الليل في الأزقة الرطبة الضيقة واللجوء إلى مكان ما، مسجد أو كنيسة مثلاً. لكني رفضت الذهاب إليهما. كان مجرد التفكير في قضاء جزء من الليل ممددًا على بساط مهترئ أو جالسًا على مقعد منكسر يجعلني أتمرد على تنفيذ ذلك.

وأنا أخرج من الزقاق، لاح لي ضوء يومض غير بعيد. كان فندقًا. اتجهت صوبه، وأنا أفكر أنني سأطرق الباب، وأن موظف الاستقبال سيكون نائمًا. سأقول له: عفوك! لم أكن أعلم أنهم يقفلون باب العامود كل مساء على الساعة العاشرة. هذا يعني أن الوضع خطير للغاية. كل شيء لا يسير سيرًا حسنًا. – على العكس، كل شيء يسير سيرًا حسنًا، يا سيدي! والبرهان أنت، زبون يأتينا بعد منتصف الليل. – لديكم حجرة على التأكيد. – سرير واحد؟ - نعم، سرير واحد. أنا وحدي. لا ترعبني الوحدة. لهذا السبب لم أفكر بعد في الزواج. – أنت محظوظ، يا سيدي، أما أنا فلا، وهو يعطيني المفتاح. يقول لي رقم الحجرة، ويشرح لي كيف الذهاب إليها. عندما أجد نفسي بين الجدران الأربعة، لا أخلع ثيابي. أرمي بنفسي على السرير في كامل ملابسي بدافع الحذر. لكن حرصًا على نظافة الفراش، من اللائق أن أخلع حذائي الموحل. لن أنسى إقفال الباب بالمفتاح. لصوص القدس يجولون ويصولون حتى عشية حرب كبيرة. سيمكنهم مراوغة تيقظ مسئول الاستقبال، وعلى الخصوص عندما يغفو، وستكون لهم حرية التصرف. هذه الليلة، لن أنساها ما حييت! وماذا أيضًا؟ آه! لن أنسى إقفال النوافذ.

لكن في اللحظة التي وصلت فيها إلى منتصف الطريق إلى الفندق، انطفأت الأضواء فجأة. دوت صفارة الإنذار، وجاءت خطوات مذعورة من كل مكان، محاصرة إياي. حركت يدي، ولكمت أحدهم كان يمضي أمامي بسرعة هائلة. كان كل ذلك شؤمًا. أحسست بالضيق في كل حركة من حركاتهم. دفعتني أجساد ضخمة، أجساد قاسية الملمس. ضربتني قبضات خشنة، قبضات عنيفة سقطت عليّ.

- إلى الملجأ، أيها الأبله!

- إنها غارة! إلى الملجأ!

- ما هذا الخازوق الذي يعيق العبور!

- ادفعوه!

وإذا بضربة عنيفة أقصى عنف، سحقت بطني، وأسقطت جسدي، وحجر شديد أقصى شدة، شج رأسي، وأفقدني وعيي.

 

 كان نعيق صفارة الإنذار يتصادى في أذنيّ، وكان أحدهم يبلل وجهي ليعيدني إلى نفسي. لكن كلما عدت إلى نفسي، كلما تضاعف النفير. حاولت النهوض، أردت الصراخ، إلا أن صوتي اختنق. ساعدتني امرأة شابة على الاستلقاء، بدفعة رقيقة من يدها ضاغطة على صدري، وسوت الضماد على رأسي. عندما لاحظت أنني صرت أقرب إلى السكينة والهدوء، قالت لي مفترة الثغر:

- لم تكن غارة، ولكن طائرة استطلاع، لا أكثر.

فتحت فمي، فانعقد لساني كالحبل.

تابعت:

- تريد أن أقول لك كيف ولماذا أنت هنا، أليس كذلك؟

الحقيقة، كيف ولماذا كنت هناك؟ ومن جديد، فتحت فمي، لكني لم أتوصل إلى نطق أقل كلمة.

قالت:

- ليس ما حصل على مثل هذه الغرابة. في الواقع، أردتُ الركض إلى ملجأ غير بعيد عن مسكني كالجميع، ووجدتك مغميًا عليك على عتبة بابي.

لم أطمئن تمامًا. ضغطت عنقي، رأسي، جبهتي. حركت رأسي يمنة ويسرة، يسرة ويمنة، بينما هي تجلس على حافة السرير تنظر إليّ، تنتظر أن يفرغ الطفل الذي كنته مع كل تلك الفوضى من الحركات.

سألتني:

- كل شيء على ما يرام؟

لم أجبها لحذري الدائم.

نهضت، وأعطتني ظهرها، فارعة القوام، هيفاء، في قميص النوم. لم تتأخر عن العودة مع فنجان شاي في يدها. حركت الشاي، ثم وضعت الفنجان على طاولة صغيرة قربي. أخذت مجلسًا على مقعد غير بعيد من ساعة حائط، عُلق فوقه شمعدان ولوحة لم أستطع تبيان تفاصيلها. كان مصباح يتدلى من السقف، واطئ لدرجة به يصدم العابر رأسه عند المرور أسفله. كان حذائي موضوعًا على الأرض، وثيابي على السرير. لم يكن لحذري منها ما يبرره، أرسلت إليها نظرة مليئة بالشكر والعرفان، فابتسمت، ومرة أخرى سألتني:

- أنت على ما يرام الآن؟

قلت، وأنا ألمس الضماد:

- ما حصل لي أمر عادي. لم أكن أعرف ما أفعل، بقيت منزرعًا هناك، معترضًا طريقهم. الإنذار شيء جاد دومًا، ومن الواجب اتباع التعليمات التي يقول بها.

وتفتحت الوردة البيضاء في فمها.

- هل أنت على ما يرام الآن؟

قلت:

- أنا على ما يرام، بفضلك. أشكرك!

سرها ذلك. هزت بهدوء قدميها الحافيتين المطلية أظافرهما بالأحمر القاني. نصحتني بشرب الشاي قبل أن يبرد.

بقي أحدنا ينظر إلى الآخر طويلاً دون أن ينبس بكلمة. أربكني ذلك الوضع بعض الشيء. لم يكن سبب ارتباكي الحذر وإنما الخجل. كنت أعتزم البدء بالحديث، بتبادل بعض الكلمات مع مضيفتي، ثم لا، لم أكن أجرؤ. أردت أن أقول لها كلمة لطيفة، شكرها مرة أخرى، لكني لا أقول شيئًا. كنت أستمع إلى دقات الساعة فقط، وضربات قلبي. أما عن الوردة البيضاء في فمها، فلم تذبل، صفاء الليل السابح في أعماق عينيها لم يتعكر.

وأنا أهم بتوجيه بعض المدائح إليها، سألتني:

- هل تعتقد أنهم سيهجمون؟

- من؟ نحن أم هم؟

- نحن. سنهجم نحن، سنبدأ الحرب نحن. هل تستطيع أن تتصور العكس؟

لم أرغب في معارضتها. لم أشأ أن أقول لها هم الذين سيشنون الحرب، وأن البرهان على ذلك طائرة الاستطلاع تلك التي ظهرت في السماء في النصف الثاني من الليل. اكتفيت بقول:

- سيهجمون على أي حال.

- متى؟

- غدًا.

- في هذه الساعة، أنت تعني اليوم، خلال عدة ساعات، ربما هذه اللحظة.

- ربما.

- هل أنت مسرور؟

لم أرغب في صدمها. لم أشأ أن أقول لها إن هذا لا يبهجني. اكتفيت بإجابة:

- لستُ أدري.

- بالله عليك، لستَ تدري!

- لستُ أدري.

- لستَ تدري، تقول لستَ تدري!

ابتسمت، وأعدت مرتبكًا:

- لستُ أدري.

- هل تشك في قوتنا؟

ومرة أخرى، لم أشأ معارضتها ولا صدمها. أكدت بصوت خفيض:

- نحن أقوياء.

- إذن لماذا أنت لست مسرورًا؟ لأنهم كسروا لك رأسك؟

قلت مبتسمًا:

- ربما.

- لكنك تعرف جيدًا أن ذلك كان حادثًا. كانوا يتدافعون، وأنت كنت...

قاطعتها، وأنا آخذ رأسي بين يديّ، مرددًا بعياء:

- رأسي مثقل، مثقل...

تنهدت، وسكتت.

أغمضت عينيّ، وفكرت في نهديها، في عنقها، في لحمها الوردي. سلخت في الحلم شفتيّ لكثرة ما قبلت شفتيها، سلخت وجهي على فخذيها. عدة أمتار كانت تفصل ما بيننا، وكان عليّ فقط أن أقطع هذه المسافة القصيرة، أن أحطم كل شيء في طريقي. هذه هي حربي. عدت أفتح عينيّ، وسألتها:

- هل تسكنين وحدك في هذا البيت؟

ردت بعداوة مفاجئة:

- وماذا يهمك أن أكون وحدي أم لا؟

- أسأل فقط.

- أنا أرمنية، من أصل أرمني إن كنت تفضل ذلك. ولدت هنا، في القدس. ثقافتي المزدوجة لا تمنعني من الحلم بالعربية كل ليلة. مات والداي، منذ عدة سنوات.

أضافت محزنة:

- ربما كانا يطلان علينا الآن من الجنة.

قلت مبتسمًا:

- أتمنى ألا يسيئا الظن بنا.

مدت ساقيها، ورمت رأسها على مسند المقعد. هذا الجسد الرخص هو وطني. كان على بعد خطوتين مني، الشيء الوحيد الموجود بالنسبة لي. هذا الجسد الجليل والمشتهى هو حقيقتي. إنه الحقيقة الوحيدة التي تربطني. كل شيء في الخارج كذب في كذب: وطنيتهم وشجاعتهم، كل شيء زائف.

فكرت في أن هذه الأرمنية قد تكلمت منذ قليل عن "قوتنا" عندما سمعتها تضيف:

- أنا أعمل عند باتا.

ألقيت نظرة على حذائي، وأنا أكرر القول: لقد تكلمت عن "قوتنا"، وها هي تسهر الليل كله بانتظار مجد، "مجدنا". شعرت بالعار. شخص ولد هنا، يحلم بالعربية، يحق له امتلاك القدس.

وضعت عينيها عليّ، وتركت أصابعها تبحر في بحر شعرها الأسود.

- كما تلاحظ، أنا سمراء وشعري أسود، فلا أحد يصدقني عندما أقول إنني أرمنية. يحتجون على الحرية التي علمني إياها والداي، ويعتبرونني عربية مزيفة!

- على العكس، على العكس...

اعتدلت، وسألتني:

- أنت لست ضدي إذن؟

- على العكس، على العكس...

- أنت لست ضدي؟

- يجب أن يبقى المرء معتدلاً في أحكامه. بفضل هذه الحرية التي علمك إياها والداك أجدني لم أزل حيًا!

ضحكت برقة. كنت أسمع ضحكتها، ولدي شعور بأنني رقيقها. كان ذلك يجعلني سعيدًا. كلهم عبيد في الخارج، ومع ذلك يعتبرون أنفسهم أحرارًا، ويريدون استعباد العالم.

فجأة، وصلت ضوضاء من الخارج، وهذا الصراخ:

- عاهرة قذرة!

قُذفت قنينة نفط على النافذة، تبعها عود كبريت. تفجر الزجاج، والتهمت النار الستارة. استطعت إطفاء كل شيء.

- ونحن، أيتها العاهرة!

سارعت لأرى من هم أولئك الزعران الذين تثيرهم الحرب لدرجة الحلم بالسرقة والاغتصاب. هرب ثلاثة أشخاص أو أربعة بأقصى سرعة.

- إنه الثمن الذي على المرأة الحرة أن تدفعه في هذا البلد.

- أعتذر لأجلهم، أزقة القدس لم تُصنع من حجارة القداسة.

- ليس هذا بالخطير. أنا معتادة. لنعد إليك الآن. لو لم أكن هناك منذ قليل لما استطعت فعل شيء؟

- لاستطاع سيل الغضب العارم جرفي معه، سيل الغضب هذا الذي يخطئ أحيانًا في معرفة عدوه من صديقه كما لاحظنا منذ عدة لحظات.

- لم تكن تريد النزول إلى الملجأ، أليس كذلك؟ لماذا؟

لم أشأ أن أقول لها إن هذه الحرب ليست حربي، إنني أحذر من الملاجئ.

- لأنني أفضل الموت وحدي، بعيدًا عن الجميع.

- لأن في رأيك حتى في الملاجئ سيموت الناس؟

- ليس لديهم مخارج للنجاة، بينما في الخارج...

- أنت تنسى أن النصر سيكون حليفنا، وأنه إذا كان على البعض أن يموتوا، فهم أعداؤنا.

قلت للمرة الأولى دون رِياء:

- نصركم أتركه لكم، ولي حرية اختيار موتي.

غرزت أصابعها في لحم كتفها حائرة، في المخمل والحرير، في الشهوة والمتعة، وخنقتني الرغبة في تمزيق شفتيّ على كتفها العاري.

- أن تختار موتك هكذا لهو من البلاهة لما يذهب كل البلد إلى النصر، إلى الحياة، كل البلاهة.

قلت وأنا أفكر أنها تعتبرني أبله بالفعل:

- أفضل أن أبقى في الخارج، بعيدًا عن الملاجئ.

- ولكن لماذا؟

ضحكت بخجل، واخترت الصمت.

ساد الصمت ما بيننا. نظرت إلى المصباح المتدلي، والمصباح المتدلي ينظر بدوره إليّ. أثارت نظرتي انتباه مضيفتي. لم أكن كالآخرين. لم أكن أركض ساعة الخطر كالآخرين، إلى الملجأ. لم أكن أعريها بنظراتي قبل أن أدعوها أو أرغمها على النوم معي. لم أكن شخصًا يغتصب الحياة الخاصة لشخص، حتى ولو كان جالسًا نصف عار أمامي. هكذا كنت، وهكذا سأكون، رغم كل الرغبة التي كنت أكابدها في تلك اللحظة، ولم أكن مسرورًا من نفسي. حتى هذه الحرب، حربي، حرب الحب هذه، وربما حرب الكره، يجعلونني أخسرها سلفًا.

بعد قليل الوقت، نهضت قائلة:

- سآوي في الحجرة المجاورة، إذا ما احتجت شيئًا ما عليك سوى أن تناديني. سأنهض في الحال، لأن ملائكتي خفيفة.

وأطفأت دافعة إياي في هاوية غائرة. شحذ الأثاث أنيابه التي بدأت بالتهامي، بتمزيق لحمي. انفصلت الأمواج عن الليل، وغمرتني. ليل تيه. ليل منفى. أحسست بنفسي أغرق في ذلك الليل المضل. ما لبثت أن ناديت:

- اتركي الضوء، من فضلك!

اعترت صوتي رعشة، فعادت تضيء الحجرة. أخذتُ نفسًا مديدًا، واستمددتُ من بسمتها الشجاعة.

هَمْهَمَتْ:

- إذن هو طفل يخاف الظلام، ولم أكن أعلم! كما تريد. سأترك الضوء مشتعلاً حتى تنام.

وأعطتني ظهرها، فهتفت بها قبل أن تذهب:

- لم تقولي لي اسمك!

كنت أراها من الجانب، وكانت تبتسم. اتحد الخفق بين قلبينا. فكرت أنني أحتل سريرها، وأنها تنام في الحجرة المجاورة. تخيلت ما كانت تفكر فيه: ربما كان عليّ قبول البقاء معه، لكنه يتركني أذهب دون أن يقول شيئًا، لأنه أبله، أو مغرور. له شكل الأبله، وفي العمق هو خجول كبير. يحذر حتى من مشاعره!

ومع ذلك، كانت تربطنا لحظة صغيرة الواحد بالآخر، عشر ثوان كبيرة صغيرة تثقل الوجود الذي كنا نحياه نحن الاثنان، كل واحد من جهته. إنها لحظة ضائعة، أو إنها لحظة نتركها تفلت. قصيرة وهائلة في آن. ساكنة وخطرة. كل شيء يتقرر خلالها، وأبدًا بعدها، بعدها يكون الوقت قد فات. لقد بدأ العد العكسي، بما أن ساعة الصفر قد أزفت. عشرة، تسعة، ثمانية، سبعة، ستة، خمسة، أربعة، ثلاثة، اثنان، واحد، واحد، واحد، واحد... فكرت "صفر" بينما كانت تبتسم، لا مبالية، بريئة. ومع ذلك، كانت لها ابتسامة محرقة، فتيلة الزمن ولهب المعركة. فكرت في الصفر، وأنا أتعلق على شفتيها، كما لو كنت أريد تحاشي سقوطي، نهايتي. بجاه الإله! كيف يمكنني الوصول إلى الصفر، ووضع حد لحياة كاذبة بأكملها، لوجود عفن كامل، لكل الآمال الزائفة، لكل الأحلام الهدامة؟ وتلك الفاجعة المعلنة والممتنعة عن الولادة: واحد، واحد، واحد، واحد... الممتنعة عن أن تكون بيننا، المقتاتة من دمنا ودمعنا. واحد، واحد، واحد، واحد... قالت لي اسمها، وذهبت. ثم سمعت إغلاق بابها. تركت وراءها رائحة موت غامضة مختلطة بعطرها الأنثوي. شذى فكرتها عن الحياة أيضًا. وهذا "الواحد" الذي لا يني: واحد، واحد، واحد، واحد... والعقرب يتحرك، لكنه لا يتقدم. العقرب يغني، وأنا أفكر: لم تبق سوى ثانية، ثانية واحدة للاجتياز، واحدة، أخيرة، آخر ثانية، لكنها ثانية أخيرة عملاقة، تبدأ من حافة هذا السرير، وتنتهي بعد مليون عام من القهر.

 

وأنا أنهض، لم أفهم في الحال أنني قضيت عدة أيام نائمًا. ستة أيام. كانت الستارة مسدلة، وكان النهار في الخارج. كان يهيمن في الحجرة جو مفجع. قمت بعدة خطوات، خطوات مثقلة، خطوات شخص عاجز. وأنا أفكر فيها، قلت لنفسي إنها تنام في الحجرة المجاورة، ففتحت الباب، وألقيت نظرة في الممر. صمت غريب. ما لبثت أن عدت لأسحب الستارة. شمس غريبة. فتحت النافذة، وتنفست بشراهة. هواء غريب. هواء مسيخ قبض عليّ من حنجرتي. كان صباحًا ليس ككل صباح! كان الزقاق خاليًا. كانت الدرجات الصاعدة إلى السماء، التي كان المسيح قد استعارها، تفوح برائحة الجريمة والاغتصاب. كانت الجدران باردة وعارية، والبلاط قذرًا. كانت تفوح عنها رائحة الدنس. كان الوقت باكرًا، وإلا لمحت على الأقل بعض الذباب. إلا إذا كان هناك تفسير آخر. نظرت إلى ساعتي: واقفة! قرصت قلبي عقرب. كان المهم ألا يتوقف قلبي عن الخفق. لم أكن أريد الموت. كان كذبًا ما كنت قد قلته بخصوص موتي، بخصوص ما يدعى اختياري. لم أكن سوى جبان بين جبناء آخرين. احتددت ضد نفسي، ضد غياب الناس في الطريق، الآلهة في مدينة الآلهة. كانت الشمس هناك، وعاصفة من الأفكار السوداء تكتسح دماغي. كان الزقاق ميتًا تمامًا، وأنا كنت لم أزل حيًا.

ذهبت إلى الممر. كان باب في الصدر، وثان على اليمين، وثالث على اليسار. فتحت الباب الذي في الصدر: الحمام. قلت لنفسي: الباب الذي على اليسار هو باب المطبخ على التأكيد. لم أفتحه. قرعت الباب الأيمن ثلاثًا، ولم أنتظر جوابًا. دفعته. انفتح، وهو يَصِرُّ. سرير غير مرتب، بقايا دخان لم ينقشع، لطخة من العفن ليست ابنة الأمس. أخذ قلبي يدق دقًا جنونيًا. أين كان يمكنها أن تكون؟ كان الكل يدفن نفسه في بيته، أما هي، فقد خرجت تاركة إياي وحدي. كنت وحدي في ذلك البيت الذي لم يكن لي، وحدي في العالم الذي كان للآخرين. فحصت ساعتي الواقفة من جديد. لم أعد أستطيع تصديق الوقت، كان الوقت قد مضى، وكنت نائمًا خلال قطعه لي. خلعت ساعتي، وألقيت بها في عرض الحائط. كم كان ذلك يدعو إلى الرثاء: الذي فعلته حطمت وقتًا محنطًا!

اتجهت بسرعة نحو الباب المقابل: المطبخ كما توقعت. كان المطبخ باردًا بقدر الأشياء التي كانت تحيط بي. لم أكن أتحسب خروجها، تركها لي وحدي، لم أكن أفكر في هربها مني، في هربها من البيت. كان بيتها. لم يكن بيتي. كان بيتها هي. كانت قد ذهبت للعمل، بكل بساطة. في المساء، بعد عملها، ستعود إلى البيت.

رجعت إلى الحجرة التي كنت قد نمت فيها. وأنا أخلع الضماد من حول رأسي، علقت عيناي بورقة متروكة على الطاولة الصغيرة. هببت إليها كي أتلقف الكلمات التالية: الحرب بدأت بينما كنت نائمًا، فلم أشأ إيقاظك. لا تحقد عليّ لأجل هذا، لأن هذه الحرب ستُكسب بغمضة عين، وأنت بحاجة إلى الراحة. استدعاني بشكل عاجل الفدائيون الذين سمعت عنهم حتمًا، ربما تأخرت هذا المساء، ربما لا أعود قبل الغد، وربما لن أعود أبدًا...

نظرت إلى أصابعي المتشنجة على قطعة الورق. كان إزميل نحات يحفر فيها الموت، وقد امتنع صراخ متحجر عن تحرير حنجرتي. فتحت فمي على سعته، فأفلت منه صفير أشبه بالفحيح. تلألأ العرق على جبيني، وما لبث أن فتك بكل جسدي. كان لدي انطباع أنني سقطت في بركة من الفضلات. كنت أحس بنفسي قذرًا حتى أعمق نقطة في كياني. تلويت، والدم يجمد في شراييني. أردت القيء، نعم، القيء، بصق ذاتي، بصق أحشائي. ومن النافذة، بكل قوة كنت أقدر عليها، عويت:

- النصر!

أجابتني قهقهات تتصادى في الزقاق.

كان الموت هناك، كان في كل مكان، كان فيّ. لمحت في آخر الزقاق الهدم الذي فعله القصف: البيوت السلفية، الأشجار الألفية، الفندق الذي كنت أريد النزول فيه تلك الليلة. سمعت سلسلة من الانفجارات. رأيت الحرب أخيرًا، لكنى داومت على البقاء وحدي، متروكًا، وحدي، مسحوقًا. الحذر الذي كنت أظنه طبيعيًا لدي كان أبًا لعدم اليقين. كانت سحابات الدخان تعلو في كل مكان، وأجنحة الرماد تتساقط. وعلى الرغم من كل هذا، كانت الشمس تشرق، بوقاحة، والصباح يرجع بسفاهة.

ارتديت ثيابي، وخرجت، وأنا أتقاذف من زقاق إلى آخر. أخذت الجدران تقص عليّ قصص الذين كانوا قد هدموها، وكانت البلاطات لم تزل تتأوه من حملها لأقدام العمالقة الذين كانوا قد مضوا بها. أمس، كنت أسير هنا، كنت أتمشى هنا، وأمس، كانوا قد دفعوني لأنني كنت أعيق العبور، أولئك الصغار، أولئك الأقزام الذين لم يكن شأن لهم، والذين كانوا يبحثون عن ملجأ. كانوا يعملون أقوياء على ضعفاء. سال دمعي. كنت أبكي على ضعف كل تلك النفوس "الشجاعة"، على هزيمة كل تلك الأشخاص "المنتصرة". كنت أبكي على ضعفي، وعلى هزيمتي عندما فكرت فيها فجأة، في مضيفتي الغريبة، تلك التي ضاع اسمها في غابة ذكرياتي. أردت الانطلاق بحثًا عنها، اتباع آثارها. أردت استعارة الطريق نفسها التي استعارتها، الطريق الوحيدة المفتوحة في تلك القدس المهدمة، المقتولة، فتقدمت للحاق بها، للحاق بحياة الشرف. قمت بخطوة إلى الأمام، خطوة في حربي، لأنني دخلتها منذ قليل. كنت متأكدًا. كانت حربي، خطواتي، طريقي، فعجلت الخطى، وأنا أرفع قدمًا من الأنقاض، أدفع قدمًا في...

 

* من "الأعشاش المهدومة" المجموعة القصصية الأولى لأفنان القاسم 1972 بمناسبة نشره للأعمال الكاملة.

 

 

Views: 12

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)