Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

كانت أفكاري تضعني على هامش العالم.

فرانسوا مورياك

 

كل جهد للسيطرة على شرطهم ينقلب إلى محاولة للتدمير الذاتي.

كلود سيمون

 

 

الجزائر 1962

عدة أيام قبل الاستقلال

        آدم، يعني عدم بالعربية، كاتب في الخمسين من عمره، لا يحب الكُسْكُسَ ولا القهوة. لهذا السبب بقي عازبًا. وبالمقابل، يعشق الورد. كرس حياته لزراعة الكلمات والورد وانتقادات قرائه. ليس كل قرائه. فقط من يشعرون بأنفسهم أنهم المعنيون في كتاباته. و... لأنه صريح مع نفسه، لا يستطيع إخفاء ما يفكر فيه عن الآخرين. هذا هو عيبه: الصراحة. ومن الغالب ما تستقبل أفكاره الجديدة بسوء، كمواقفه الشجاعة. وكما يقال: الكتاب يبدعون في الهموم لأنفسهم. لكن، أن تكتب جيدًا أم سيئًا في عالم يحكمه النزاع، هذا لا يعني شيئًا، ما يهم هو التقدير، ولا موهبة آدم، ولا شجاعته مقدّرتان. ومع ذلك، يواصل، رابط الجأش، على الطريق ذاتها. على الأقل حتى يتوقفون عن نشر كتبه، وقبول مقالاته. من هنا إلى هناك، لن يرخي قبضته. سيفعل كل شيء من أجل أن تصل آراؤه إلى المرسل إليهم. لا يستطيع قبول الموت فكريًا طالما لم تنكسر ريشته. ونظرًا للأحداث التراجيدية التي تهز البلد، لن يتأخر هذا اليوم عن القدوم. لهذا السبب قال كل ما لديه قويًا وعاليًا عن ضربات جبهة التحرير العمياء وجرائم الجيش الفرنسي، فعاد عليه ذلك بعداء الطرفين.

       صاح المحقق الفرنسي:

      - قضيت على نفسك بنفسك، يا سيد آدم! تصرفك بهذا الشكل يجعلك تحكم على نفسك بعدم الكتابة.

      صاح آدم بدوره:

     - لا أحد في العالم سيمنعني من التعبير عن رأيي بحرية، يا حضرة الضابط!

- لكنك تنسى أن هذه فرنسا!

- لا أنسى أنكم جيش كولونيالي.

- كولونياليون نحن الذين جئناكم بالحضارة!

- الحضارة التي تقتل، تحرق، تعذب، ليست حضارة، إنها البربرية مخبأة تحت ثياب نظيفة.

- برابرة نحن الذين علمناكم قراءة وكتابة أسمائكم!

- ربما كنا أميين، لكننا أولاً وقبل كل شيء بشر، وواقع أن نقرأ ونكتب، وليس فقط أن نقرأ ونكتب أسماءنا، حق جوهري لنا. زد على ذلك، أنت تحرمني من هذا الحق عندما يكون المقصود أن أقول الحقيقة للعالم أجمع.

- أية حقيقة؟ حقيقتكم أم حقيقتنا؟

- الحقيقة بلا زيادة ولا نقصان. لهذا أرفض كل فعل لا إنساني، سواء اقترفه ناسيّ أم ناسك.

- أنت تنسى أمرًا ثانويًا، يا سيد آدم.

- ما هو، يا حضرة الضابط؟

- أنها الحرب.

- حرب قذرة، تريد القول.

- وليست السلطة بيدكم.

- العجلة تدور، وفي يوم ما، سنمتلك السلطة.

- لماذا؟ لترتكبوا جرائم أخرى؟

- جرائم أخرى ربما، ولكن تبقى ما بيننا، يا حضرة الضابط.

- أنت من يقول هذا!

- أنا من يقول هذا، وأضيف أنني سأواصل قول الحقيقة عاليًا وقويًا، لتتوقف الجرائم، وليكون عصر الحرية بالفعل عصرنا.

- عصر الحرية خديعة! سنكون حريتكم دومًا. إذن اذعن، يا سيد آدم، ولا تكتب أي شيء كان.

 

صاح رئيس الفلاقة:

- لا حق لك في نقدنا، يا سي آدم، في نقد أفعالنا والثورة. هذا ما لا يمكن قبوله.

أجاب آدم:

- في حركة ديمقراطية، يا سي لحسين، ما لا يمكن قبوله هو بالأحرى السكوت عندما يتعلق الأمر بمصلحتنا كلنا، والضربات العمياء لا تأتي لنا إلا بالتعاسات، تُعرّض للشبهات مصداقية قضيتنا.

- المصداقية لا تهمنا، ما يهم هو أن تحرز الثورة تفوقًا، وأن يشخ الفرنسيون فزعًا ليهربوا من الجزائر.

- هذه الأفعال الإرهابية المرتكبة ضد أبرياء تعاكس كل مبادئي.

- ولكن لا أبرياء هناك، كلهم يتشابهون، كلهم هنا ليبقوا، ليقضوا علينا.

- عدونا هو الجيش، زد على ذلك أنني عبرت عن رأيي بصراحة قاسية منددًا بما ارتكب من فظاعات.

- هؤلاء العسكر المتوحشون يستحقون الشنق، وانتقادنا في الوقت الذي تنتقدهم فيه، هو أن تضعنا على نفس مقعد الاتهام.

- أنا لا أتهم أحدًا. أنا لا أفعل سوى الإنذار.

- أنا أيضًا أنذرك، يا سي آدم، نحن أم هم، عليك أن تختار.

- هل تهددني، يا سي لحسين، أنا الوفي الأكثر من بين أوفيائكم!

- عندما تضع الثورة في خطر، لن نعتبرك منا. وفاؤك يساوي صفرًا.

 

مارغو، تعني هامشية باللاتينية، نادلة في بار الحي. إنها يهودية إسبانية، عمرها ثلاثون عامًا. على عكس مواطنيها الأندلسيين، بشرتها فاتحة، وشعرها ذهبي. من النادر إلا يبدي زبون تأثره بجمالها: الشباب والأقل شبابًا، كانت تجذبهم كلهم. لكنها حتى الوقت الحاضر، لم تجد بينهم الرجل الذي يلزمها. لتزويجها، فكرت أمها بإرجاعها إلى بلدهم دون عودة، لأن الجزائر لها لم تكن سوى بلد الهجرة، الإقامة المؤقتة، لا أكثر. كانت تريد أن تتحاشي الزواج المتأخر لابنتها، والزوج "العربي"، حتى وإن كان غنيًا. لا تفرق مارغو بين الأطباق والشعوب، وتتفاهم جيدًا مع الجميع، تحب البايلا بقدر الكُسْكُس والستيك فريت. أما فتى الأحلام، أن يكون جزائريًا أم فرنسيًا أم من أي جنسية أخرى عندما يجدها، فستقول له نعم، دون تردد. زد على ذلك، مارغو مؤيدة للحكم الذاتي للجزائريين. رأي خبأته عن الجميع كما يجب حتى الوقت الحاضر، حتى عن أمها. لا تستطيع قول ما تفكر فيه عندما يتكلم الجميع عن القنابل الموضوعة في المقاهي، عندما تكون الضحايا من النساء والأطفال. المظليون يرتكبون الأفعال الأكثر شناعة ضد نساء وأطفال أهل البلد، ولكنهن نساء أهل البلد وأطفالهن! هذا يعني في العقلية السائدة ما يعني. ومع ذلك، ليست هذه الناحية هي التي تُرى من مارغو، مارغو التي كانت أمها ترى فيها فتاة وحدها في كل شيء: في طريقة ملبسها، ومأكلها، وعملها، واختلاطها بالفتيان، مارغو فتاة ليست كالأخريات. كانت مارغو تعتبر الأمر مديحًا، حتى اليوم الذي جرؤت فيه على إبداء رأيها حول الصراع الدائر.

 

صاح صاحب البار:

- يا آنسة مارغو، لم نعد بحاجة إلى خدماتك.

- لماذا، يا سيد ريمون؟

- تعرفين جيدًا ما فعلت.

- هل سرقت؟

- لا.

- هل سكرت؟

- لا.

- هل تخلفت عن عملي يومًا واحدًا؟

- لا.

- إذن لماذا؟

- لأنك ارتكبت جنحة في الرأي.

- تطردني لأنني أقول ما أفكر فيه، لأن لي رأيًا مخالفًا لرأيك؟

- تريدين القول مخالفًا لرأينا كلنا، نحن الذين كنا نظنك متعاضدة معنا.

- أنا متعاضدة معكم دومًا، حتى ولو كان لي رأي مخالف لرأي أغلبيتكم.

- بدعم الفلاقة؟ قتلة الأطفال هؤلاء!

- أنا لا أدعم الفلاقة. أنا ضد الضربات العمياء. لكني مع حق الجزائريين في تقرير مصيرهم.

- ما معنى هذا، لكنك مع حق الجزائريين في تقرير مصيرهم؟ طردنا من بلدنا؟ نحن على أي حال هنا في بلدنا.

يقلدها ساحرًا:

- لكني مع حق أهالي البلد الأصليين الخراء في تقرير مصيرهم! لا، يا آنسة مارغو. هذا لا يمشي! أفكارك خطيرة! أنت خطيرة! بسببك سأخسر كل زبائني. أفضل فقدانك على فقدان لقمة عيشي.

- لكن، يا سيد ريمون...

- ليس هناك من لكن، لا مكان لك عندي.

 

صاحت الأم بمارغو:

- أنت عار الأسرة، عاري، عار المرحوم أبيك!

- أنا لا يد لي في الأمر، يا أمي. السيد ريمون هو من قرر كل شيء!

- والخطأ خطأ من؟ خطأ الآنسة مارغو، الثورية! لم أكن أعلم أن لي ابنةً جبهة تحرير!

- لست جبهة تحرير، يا أمي. أنا من أنا ولكن لست جبهة تحرير!

- دومًا ما كنت فتاة وحدك، يا مارغو! فتاة خارجة على العادي، مع الأسف!

- هذا لأنني أفكر قليلاً تقولين هذا، لأنني لا أفكر مثلكم، لأنني استطعت قول رأيي في مسألة تلسع أرواحنا؟

- تنسين أننا لسنا من هنا، نحن من...

- أنت ولدت هنا، أنا ولدت هنا، هذا بلدنا، بالطريقة نفسها التي للآخرين.

- ليست هناك طريقة نفسها بين إسباني، وفوق هذا سفاراد، وفرنسي، نحن المغتربين، وسنظل، إلى الأبد. نحن لا يخصنا ما يجري. ربما تريدين أن يحطم المظليون بابنا؟ أنت فقدت عملك، وأنا مهددة بفقدان عملي. وبعد ذلك، كيف سنعيش، هل يمكنك أن تقولي لي؟ رأيت جرحى، الكثير من الجرحى، في المستشفى الذي أعمل في تنظيفه، وأجرؤ على الادعاء أنهم كلهم فرنسيون، أنهم كلهم ضحايا أصدقائك واضعي القنابل. لا يوجد أي عربي، أي واحد من السكان الأصليين.

- لأنهم قُضي عليهم كلهم بمن فيهم الجرحى، وأُلقي بهم في قبر جماعي.

- تقولين أي شيء، يا مارغو.

- لا، يا أمي، أنها الحقيقة الخالصة.

- تقولين أي شيء، لا تحكين إلا السفائف.

- سفائف، الدم الجزائري!

- أنصحك ألا تعودي إلى الكلام في هذا لأحد، ولنخنق الأمر، من الأفضل أن تختفي لبعض الوقت.

- من الأفضل أن...

- ستقيمين لبعض الوقت عند عمتك سارة. ستعينينها في عملها، وتكسبين مصروفك بالانتظار.

- بانتظار ماذا؟

- بانتظار أن يتوقف كل شيء.

- لن يتوقف كل هذا إذا ما لم تكن للجزائريين الحقوق نفسها التي لنا جميعًا.

- ماذا تقولين، يا مارغو؟!

- إضافة إلى ذلك، حتى بيننا، نحن الأوروبيين، هناك حقوق وحقوق.

- لقد أصبحت مجنونة!

- أنظري ما نعانيه، نحن الإسبانيين... اليهود. هذا لا يمكنه الاستمرار!

 

في البداية، غضب آدم لاستبعاده: لم تعد كتبه تنشر، والمنشورة صادرتها القيادة العسكرية. لم تعد مقالاته تنشر، وعزله الفلاقة تمامًا. منعوه من أي اتصال. ورويدًا رويدًا، بتحضيره أطروحة عن أعمال كامو، استسلم لعزلة طوعية. وليصمد، زرع وردًا في حديقته الصغيرة، وباعه في ساحة السوق. ورد أحمر، وورد أبيض، وورد أصفر، وورد شاي، وورد أضاليا. ومع ذلك، لم يكن آدم يرى الحياة وردية. كان استقلال بلده يقترب يومًا عن يوم، لكنه أبدى تشاؤمه. كان يقول إن التراجيديا الجارية ستستمر. كان يقول ذلك من قبل، إلا أنه كان يتمنى بفضل ريشته، بفضل كل الريشات الحرة، تقويم الأشياء، وإقامة عالم عادل وديمقراطي. الآن وريشته حُجّمت، انهار كل أمل، لم تعد الحرية سوى خديعة. لم تبق له سوى العزلة أو الموت. كان يتكلم قليلاً، ويقرأ كثيرًا. لم يكن أصدقاء له سوى هذه الكائنات الرخصة العود، المعطرة، ذات الجمال الزائل: الورود. كانت جوهر عزلته.

نظر مواطنوه إلى هذه العزلة بعين ليست راضية، إذ أنهم فسروها كموقف ضد الثورة، وبالتالي عومل آدم أسوأ معاملة، وأهين، حتى أنه ازدُري.

 

ذهبت مارغو إلى عند عمتها سارة للإقامةِ بعضَ الوقت، كما نصحتها أمها. كان من اللازم أن تختفي قليلاً، خاصة وأنها لم تفقد عملها فقط بل وتقدير الجاليتين الإسبانية والفرنسية أيضًا. لأول مرة في تاريخ هذا البلد تتحد الجاليتان حول مسألة تفرقهما مع ذلك منذ الاحتلال: حق الشعوب في تقرير المصير. استقبلت العمة سارة مارغو على الرحب والسعة، واقترحت عليها بيع أوراق اليانصيب معها. كانت بائعات الصدفة قليلات في الحالة الراهنة. لم يعد الناس يؤمنون بالحظ عندما ينظرون إلى البحر، ويفكرون أنهم سيُدفعون إلى قطعه دون الرجوع أبدًا. كانت سارة تظل في كشكها شارع ميشليه، ومارغو تحرث الشوارع داعية، في الموت والأسى، إلى شراء ورقة يمكن أن تكون حظ حياة بأكملها. كان الناس ممن يقبلون اللعب قليلين. وكالعادة، كان بالأحرى جمال مارغو الجاذب لمشتري الصدفة. جمال لم تكن للصدفة فيه يد على الإطلاق. في الماضي، كان أبراهام، زوج سارة، أول سجين لجمال مارغو. عندما كان لها من العمر خمسة عشر عامًا، اغتصبها أبراهام. احتفظت بالسر، فمضت الأيام، وزالت الآثار. تبدل الرجل، وغدا للدين مشايعًا، وللتقوى أكثر قربًا، ولمارغو أكثر حنوًا. كان عليه أن يواجه العار الآخر، عار كل يوم، عندما يعامله فرنسي الأصل كما لو لم يكن شيئًا لأنه يهودي، وعندما يحتقره للسبب نفسه مضطَّهد آخر، عربي من الأهالي الأصليين أو قبائلي، ويبصق عند عبوره: "يهودي حاشاك!" كانت تلك مأساته الحقيقية، صراعه لأجل احترام إنسانيته. لكنه وهو يرى الجميلة مارغو كما لو كان يكتشفها للمرة الأولى، استيقظت رغبته، وغدت إرادة امتلاكها لديه أقوى من كل إرادة أخرى وجودية. فاجأها أبراهام، عند غياب زوجته، وهي في الحمام، وارتمى عليها كوحش ضال. لم تستطع مارغو شيئًا أمام العملاق الذي كانه أبراهام، ولم تفعل مقاومتها في أبراهام سوى إثارته أكثر: اغتصبها للمرة الثانية، لكنها لم تعد الفتاة الصغيرة. جمع حوائجه، وغادر بيت العمة نهائيًا.

 

وجدت مارغو غرفة صغيرة مقابل بيت آدم. من النافذة، كانت تراه يقرأ، ويكتب، ويعتني بحديقته، وكان آدم يلتقيها في السوق أو في الشارع دون أن تثير لديه أقل انتباه. لا جمال هناك غير جمال ورده! واصلت مارغو حرث شوارع الجزائر لبيع أوراق اليانصيب، والحظ الذي كانت تعده للآخرين لا يأتي للطرق على بابها. كانت تعيش حياة قاسية، وتنظر عن كثب وأحيانًا بدافع الإعجاب إلى ذلك الرجل الذي يقرأ ويكتب ويزرع الورد. وكان ذلك يقف عند ذلك الحد. كان الألم النفسي الذي سببه زوج عمتها لها يتسلط دومًا على روحها، ويجعلها سهلة الكسر أكثر، لم يكن لها حظ تلك الورود التي وجدت في ذلك الرجل الغريب حاميًا وصديقًا.

في أحد الأيام، انفجرت قنبلة حِرَفية في بار قرب بيت آدم. ولما كان يمر من هناك، أوقفه المظليون، واتهم بجريمة لم يرتكبها، بفعل حاربه منذ انطلاقة الثورة، إلا أن جيرانه العرب قد بدلوا موقفهم منه. اعتُبر آدم كبطل، وأسر الفلاقة مارغو بالصدفة، لإبدالها بآدم. بكتها أمها، وكل الآخرين أرادوا تحريرها بأي ثمن. غدت رمز مقاومة الاقتلاع بالقوة، وأقسم الكل حولها على عدم ترك الجزائر.

 

تم الإبدال، ومع ذلك لم يبدل آدم موقفه، وكذلك مارغو. ولخيبة أمل الفرنسيين والإسبان، طردوا أم مارغو من حيهم، رغم أنها شجبت ابنتها جهارًا وعلانية. وحّد آدم ومارغو العزم في الضيق والألم عندما عزلهما العدوّان، الجزائري والفرنسي، في عمارة يحتل كل منهما قسمًا منها، فوجد آدم نفسه ومارغو حبيسين في حجرتين إحداهما إلى جانب الأخرى. ومن شقوق في الجدار، كانا يسمعان ما يلحق بالواحد والآخر من تعذيب.

في الليل، وهما وحدهما، كانا يحاولان التواصل بينهما. كان آدم يصرخ ألمه، ومارغو تسر إليه روحها الممزقة.

ازداد التعذيب عنفًا: كل يوم كان آدم يُضرب ومارغو تُغتصب. في إحدى الليالي، بينما كان آدم يفقد وعيه، أيقظته ضربات لمخالب على الجدار، فراح يضرب بمخالبه، هو أيضًا. ضَرِيَ كلاهما، ثم، دفعا بكل ما تبقى لديهما من قوة، فانفتح الجدار.

عرفت مارغو المعذَّب، وحدثته عن أوراق اليانصيب. قالت له إعجابها الرصين بالرجل الغريب الذي يزرع الورد، وقالت لنفسها إن لقاءها بآدم جزء من لعبة الصدفة.

حكى لها آدم عن ورده، عن ماضيه الذي لا فائدة منه، وأسف لأنه لم يلاحظها أبدًا، كل ما عاناه حتى الوقت الحاضر هيأه من أجل هذا اللقاء.

تمكنت مارغو من الانزلاق، وجاءت تبكي بين ذراعي آدم. حكت له كيف اغتُصبت في عامها الخامس عشر من ذاك الجلاد أبراهام، وكيف اغتصبها المظليون مساء أمس. قالت إنها تتألم... منذ كانت صغيرة، وهي تتألم. كانت بحاجة إلى قلب يفهمها، إلى جسد يدفئها، كانت بحاجة إلى حامٍ.

لأجلها، لأجل حمايتها، قرر آدم ألا يترك نفسه للموت، أن يحيا برغم جراحه. أرادت مارغو أن تهزم ألمها من أجله، أن تنذر نفسها لحاميها. وهكذا، للصمود في وجه جلاديهما، قاما بالحب، واغتذيا بالدم، دمهما. لكن في الوضع الذي كانا فيه، وبعيدًا عن كل سلوك رومنطيقي، كان ذلك لهما كمن ينتحران!

في الصباح، وقع جلادوهما عليهما ميتين.

 

وجد المظليون أنفسهم والفلاقة وجهًا لوجه في فضاء مفتوح، في لحظة حاسمة من تاريخهم: أهلكوا بالتبادل أنفسهم، وأُعلن الاستقلال في حمام من الدم.

 

 

 

* من "الأعشاش المهدومة" المجموعة القصصية الأولى لأفنان القاسم 1972 بمناسبة نشره للأعمال الكاملة.

 

 

Views: 12

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)