Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

كل نتيجة جديدة للجمع بين الطريحة والنقيضة في الجدل الهيغلي تخرج من تحليل نقدي تمهيدي: مرحلة من الهدم تسبقها وتعد لها.

إدغار لو روا

 

 

ماذا ستفعل، أيها الطائر البريّ؟

فكر سعدان في هذا السؤال قليلاً، ثم رفع عينيه إلى القمة الزرقاء لشجرة لوز. حمى عينيه من أشعة الشمس، وقال لنفسه: هذا حسن، سيكون النهار جميلاً! غرق بأصابعه في العشب، وأذاب الذهب في العينين، فأضاء النضار أهدابه. سيكون النهار جميلاً! كان قد وعد زوجته، نعيمة، إذا كان النهار جميلاً أن يفترشا العشب في المساء، ويلتحفا بالسماء.

شد انتباهه ماء الساقية الرقراق، فأحس بجريان الدم في عروقه، وانتفض على غناء البلابل. شعر بعضلات ذراعيه تتوتر كعضلات الجذافين، ورأى كيف رسمت أصابعه في العشب المراكب، وكيف أبحرت في بحر أخضر. ابتسم، وعاد يقول لنفسه: سيكون النهار جميلاً! اتسعت ابتسامته حتى بانت كل أسنانه، وسقط شعره الغزير على جبينه. كان يبتسم. كان يبتسم، ويبتسم. بقناعة. تابع بعينيه جناحي خُضَيْر يقطع السماء إلى عشه: سيكون الربيع جميلاً هذه السنة! نهض، وذهب إلى الساقية. وقف على حافتها، ونظر إلى الماء الرقراق. أراد أن يلقي بنفسه فيه، أن يغسل فيه كل بدنه. لكنه تردد: كان عمل كثير ينتظره في المزرعة.

مد قدمه الحافية في الماء معترضًا مجرى السيل، وغطس بها في الزبد المحمول على ظهر المويجات الكسولة، لكنه ما لبث أن عاد على عقبيه، وراح يعدو. لم يبتعد سوى عدة أمتار قبل أن يوقفه بعض الضحك. بحث عن مصدر الضحك من حوله، ووقع على زينب التي أخذت تضحك بملء شدقيها. أي قوام مختال، قوام زينب! دخل حقل الكرنب، وكاد يوقعها، وهو يسارع إلى الوقوف قربها. كانت زينب تداوم على الضحك الشجي، وفي يدها رأس كبير من الكرنب الأخضر. ابتسم سعدان ببلاهة، وقال لها:

- اضحكي! هيا اضحكي!

توقفت زينب عن الضحك دفعة واحدة، وتطلعت إليه بعينيها العسليتين، الصافيتين، فحسب أنه يرى في مرآة عينيها وجه طفل بشعره الغزير المتساقط على جبينه وبأنفه الدقيق الدبق.

- اضحكي، يا زينب، اضحكي! لماذا لم تعودي تضحكين؟

أعطته ظهرها، وانحنت لتقطع رؤوس الكرنب، وتضعها في سلتها. بقي سعدان ينظر إليها إلى أن ناداه عبد القادر، رئيس العمال:

- سعدان، تعال!

لكن زينب رمته بنظرات والهة، وغدا لها شكل الأرملة الحزينة فجأة.

- سعدان، تعال هنا حالاً!

لم يكن سعدان سعيدًا، كان يجدف بين أسنانه:

- يا ابن الكلب، يا سعدان! ما الذي يريده من سعدان؟

- هل تأتي؟

صاح على مضض:

- أنا آت.

ثم لزينب:

- أي نهار جميل!

كان الثناء لها بقدر ما هو للنهار. استعادت زينب بساطتها ومرحها، وأفلتت ضحكة صغيرة كي تسعده، بينما لم يزل عبد القادر يطلبه. تغضن وجه سعدان، وهو يكز على أسنانه مَغيظًا من نفسه:

- يا ابن الكلب، يا سعدان! لماذا لا يدعه وشأنه؟

كان يريد أن يبعث به إلى الشيطان، لكنه أجاب:

- سآتي!

أحس بخدر في ساقيه، فتحرك خطوة باتجاه زينب، وأعاد:

- أي نهار جميل!

كان ينعكس على الوجه الأسمر الريفي اخضرار الأرض، وكانت تترك نفسها تروح مع ذلك الاختلاج السخي لأجنحة طيور تحلق في الأجواء.  فتحت فمها في الأخير، وقالت:

- اذهب إليه! هناك ما تعمله بانتظارك.

تأمل شفتيها مليًا، ثم أعطاها ظهره، والتحق بعبد القادر:

- ما الذي تريده من سعدان؟

رمى عبد القادر باستهزاء:

- أريد أن أتركه يتنزه، على أن يركب البغل لئلا يتعب قدميه. وعند عودته في المساء، أن أغلي له كوبًا من الشاي، وأفرش لسموه وسائد الحرير على الأرض!

نفخ عبد القادر، وأخذ يمسح بكوفيته العرق عن وجهه. نظر سعدان إلى وجنتيه المترهلتين قائلاً لنفسه: كأن لحمه من عجين!

قال عبد القادر:

- البيك كان هنا منذ قليل، وسأل عنك. قلت له إنك ذهبت بالخيول عند الحداد من أجل الحدوات.

- لكني لم أذهب بالخيول عند الحداد من أجل...

- إلى متى ستبقى طفلاً ساذجًا، يا سعدان؟ قلت له ذلك من أجلك، كذبت عليه لصالحك. هل تفهم الآن، أيها الطفل الأبله؟

عاد سعدان إلى تأمل الوجه العجيني.

- لو قلت له الحقيقة، لو قلت له إنك تمضي وقتك في ألا تعمل شيئًا، في الحلم أو الابتسام لزينب بغباء، أنت تعرف جيدًا ماذا سيكون عقابك.

- نعم، أعرف.

- إذن إذا أردت مواصلة اللعب كالأطفال في مثل سنك، فحذار من اللعب بالنار، وإلا طيرك التيار، ورماك في جوفها، وبعدها، سيكون ضياعك إلى الأبد بعدها.

كانت كلمات عبد القادر تشعره بجرم لم يرتكبه. مضى طائر فوقهما، وذهب الشمس يتموج على جناحيه. أراد سعدان أن يقول إنه كان يحسب نفسه طائرًا، إن كل تلك الأعشاش كانت له، إنه سيلقي بنفسه في الساقية، ويعوم في الماء البارد، لكنه لم يجرؤ على ذلك.

قال:

- إذن من الواجب عليّ أن أذهب بها.

- أن تذهب بها إلى أين، أيها الأبله؟

- بما أنك قلت للبيك يجب عليّ أن أذهب بالخيول عند الحداد.

رمى عبد القادر رأس الكرنب الذي قطعه في السلة، والشرر يتطاير من سكينه. قال، وهو يقهقه:

- يا له من طفل أبله! هل تظن أنها تنتظرك؟ لقد ذهبت بها بنفسي مع شروق الشمس.

قفز سعدان من الفرح، وهو يصفق، ويصيح:

- الله يحييك، يا عبد القادر! الله يحيي شنباتك!

ارتمى عليه شادًا إياه من خاصرتيه، لكن عبد القادر دفعه عنه مبعدًا، وهو يردد:

- توقف، أيها المجنون، توقف!

رفعت زينب رأسها، وصاحت،

- ماذا جرى له؟

- إنه مجنون! إنه طفل في كامل الحماقة، هذا كل ما هنالك!

تبسمت زينب عن لؤلؤ، وعبد القادر يردد: توقف! توقف!

قال سعدان، وهو يقطر نشوة:

- إذا أتيت عندي هذا المساء، طلبت من نعيمة أن تغلي لك إبريقًا من الشاي تشربه وحدك.

تذكر أن تلك الليلة ليلته، أنه سيقضيها في الحقل مع زوجته، لكنه قال لنفسه إن عبد القادر لن يأتي. وبالفعل، سمعه يقول:

- سنشرب الشاي في يوم آخر.

قبض عليه سعدان من ذراعه، لحظة، ثم خلاه. لم يلح، أخذ سلة وسكينًا ماضيًا ليقطع رؤوس الكرنب عندما قال رئيس العمال له:

- هناك عمل آخر ينتظرك.

شخص سعدان، وسأل:

- أوامر البيك؟

- ومن غيره يعطي الأوامر؟

- أنا أسأل فقط.

- نعم، أوامر البيك.

أضاف عبد القادر، وهو يقترب منه، ويطوي سكينه:

- عليك الذهاب إلى الحظيرة، ونقل القش إلى الإسطبل، فسيأتي البيك بحاضنة لتفريخ البيض يضعها هناك.

- أنقل القش إلى الإسطبل؟

- وقبل المغرب عليك أن تنتهي لتذهب في طلب الخيول.

رمى سعدان سلة القصب على الأرض ثم زرع سكينه في أحد رؤوس الكرنب الخضراء، والشفرة تهتز.

سأل سعدان:

- هذا كل ما هنالك؟

- هذا كل ما هنالك. حتى الساعة.

أعطى ظهره لرئيس العمال، وسار عدة خطوات، فقال هذا الأخير:

- ها أنا أنبهك! إياك أن تخدعك الشمس، فتترك العمل لتنام!

ابتسم سعدان، وعاد يأخذ طريقه، وهو ينظر إلى زينب، وزينب ترافقها نظرات الهيام الرقيقة، ثم صاح بأعلى صوت يقدر عليه:

- هذا النهار أجمل نهارات حياتي!

وانطلق يجري.

 

دخل الحظيرة كالسهم، فتفرقت الدجاجات هنا وهناك، وقاقت بهلع، بينما طار الديوك فوق الرفوف للالتحاق بإناثها، والخروج معها. تجمع سرب من الدجاج على عتبة الباب، وراح يختلس النظر إلى سعدان، فكش تلك الطيور الفضولية، وهو يضرب يديه على فخذيه، وهو يتظاهر بعزمه على ذبحها، حتى تفرقت خائفة في زوايا الفناء الأربع. كانت سذاجة الطيور تسلي سعدان كثيرًا، وكان عليه أن ينقل جبل القش من الحظيرة إلى الإسطبل، وأن ينتهي من كل شيء قبل غروب الشمس. عاير جبل الذهب ذاك من فوق إلى تحت، أخذ منه حزمة، وشم رائحتها مفكرًا: عندما نموت تكون لنا نفس الرائحة! أقلقته هذه الفكرة: لأنه كان شابًا، ولأن أباه علمه أن يحب الأرض والحياة. نثر حزمة كبيرة من القش على الأرض الملوثة بالروث، وجعلها ذهبية. جر عربة خشبية ذات عجلة واحدة، وفي الوقت نفسه طار ديك منها إلى أحد الرفوف، ولولا أن خفض سعدان رأسه لضربه الضيف في جبينه. التحق الديك بباقي إخوته وأخواته في الفناء، ففكر سعدان: لقد تركني وحدي! حرك مذراته، وقال لنفسه: هذا حسن! لنبدأ بهدم الجبل! زرع مذراته في بطن ما كان يدعوه "جبل"، ورفع كومة من القش رماها في العربة. انتشرت رائحة القش في كل مكان، وأثملته. عندما امتلأت العربة، دفعها حتى الإسطبل حيث لم يكن سوى بغل عجوز لم يميز سعدان وجوده إلا بعد أن اعتاد على العتمة. كان الحيوان ينظر إلي الفلاح الشاب بعينيه الحزينتين، فقال سعدان لنفسه: بغل أضاع حياته! أما عنه، فدم الشباب كان يسيل في شرايينه. وقف أمام البغل، وتبادل معه نظرات مفيضة بالحنان. كان كل منهما يريد أن يقول شيئًا للآخر، وما كان البغل العجوز يريد إفهامه لا علاقة له البتة بالشباب أو الشيخوخة. لاحظ سعدان أن الحوض كان مليئًا بالماء القذر، فحك رأسه حائرًا، وهو يفكر في الحالة التي يعيش فيها الحيوان. قال لنفسه إنه في يوم من الأيام سيكون أشبه بهذا البغل العجوز المنسي، وسيأتي أحدهم إليه، يكون في مثل حيويته وشبابه، سينظر إليه في العتمة، ولن يتبادل معه الكلام. كانت المرة الأولى التي تراوده فيها فكرة كهذه، هو الطفل "الأبله"، مجنون الطبيعة، المجنون بكل بساطة. قلب العربة، وعاد إلى الحظيرة.

 

كانت لآلئ المساء تداعب بأصابعها الشفيفة جبين سعدان، ففاض قلبه حبًا بها. هتف سعدان: نعم، كنت أعرف أن المساء سيكون جميلاً! عاد بالخيول الصهباء الثلاثة، وهو يجرها من اللجام مبتسمًا، والحيوانات الجميلة كانت تتبعه صاهلة، متبخترة. كان عليه الذهاب لإحضارها قبل الغروب، لكن نقل جبل القش قد أخذ منه وقتًا كثيرًا. هل سيوبخونه على ذلك؟ لم يكن ليهتم بذلك والقُبّة النجومية هي له الآن. غنى طائر الليل، وداعبت الأنسام العليلة شعره، فضم الطفل الكبير الطبيعة. ضمها بقوة حتى غدت جزءًا من لحمه. نسي الدرب الطويل، الغمام الأسود القابع خلف الضفة الأخرى لبحيرة الليل. نسي ما كان ينتظره ما بعد دربه. منذ وقت ليس بالبعيد، مواجهته مع البغل ذي شروط الحياة التعسة كانت لحظة نادرة في وجوده. كان سعدان يعيش من يوم ليوم، وعندما كان ينظر إلى المستقبل، لم يكن يفكر إلا في أشياء سارة. أخذ على نفسه تأخره: نعيمة بانتظاري، تركتها تنتظر طويلاً! جر الخيول بحزم، وعجل الخطى.

قرب الإسطبل، كان الليل حالكًا بغرابة، وبينما هو يقترب بحذر، لمح شبح أحدهم كان ينتظره. أحس بقلبه ينقبض، فسقط عليه صوت خشن:

- أين كنت لتعود بخيولي حتى هذه الساعة؟

عرف صوت البيك، وفكر: كم الليل حالك من هنا! انتابه شعور عميق بالذنب في اللحظة التي عاد فيها الصوت الخشن يسأله:

- إذن أين كنت؟

تقدم سعدان مواجهًا سيده، فبدا مسخًا أمام البيك، العملاق البدوي. كان البيك قد عُين حاكمًا عسكريًا قبل أن يمتلك كل المنطقة. أفلتت الكلمات من سعدان، فأشار إلى الخيول بإصبعه دون أن يكف عن النظر إلى السوط المهدد في القبضة الشرسة.

أعاد البيك، وهو يدفع بمقبض السوط سعدان في كتفه جاعلاً إياه يتراجع في الوقت ذاته والخيول:

- هل يمكنك أن تقول لي أين كنت حتى هذه الساعة؟

أجاب:

- ذهبت من أجلها، لأعود بها.

صفعه البيك:

- حتى هذه الساعة!

- تأخرت في نقل القش، كان كثيرًا!

عاد يصفعه:

- كثيرًا!

أفلت سعدان الأعنة ليخفف من التهاب وجنته القليل، دون نجاح. ردد مضطربًا:

- سيدي... سيدي...

ساطه سيده، فتوقد الليل، وشبت الخيول.

- سيدي... سيدي...

ركع على قدمي سيده ليقبلهما، والبيك يصرخ ويلهث لشد ما ساطه:

- قل أيضًا! أعد إلى ما لا نهاية!

- سيدي... سيدي...

مزق السوط كتفه، وسال الدم. كان سعدان مجنون الألم.

أمر البيك، وهو يدقه بقدمه:

- انهض!

رفع سعدان على سيده عينين مليئتين بالدمع، وهمهم:

- أقسم لك... أقسم لك...

لكنه ساطه أيضًا وأيضًا، فزرع سعدان أظافره في الأرض مكررًا:

- أقسم لك... أقسم لك...

سأل البيك، وهو يطحن أسنانه:

- ماذا يعني هذا؟

- أقسم لك... أقسم لك...

ضربه بقدمه:

- انهض!

اعتمد سعدان على يديه وقدميه دون أن يستطيع النهوض. كان الألم يسمره في الأرض، بينما كان البيك يأمر:

- قلت لك انهض!

استطاع الفلاح الشاب أن يقف في الأخير. كان دمه يسيل، والحصى يضحك منه. جره البيك من خناقه حتى الإسطبل:

- ستنقل هذا القش إلى الفناء حتى ولو قعدت الليل بطوله، أريده في الفناء، وليس هنا، في الفناء، مفهوم؟

وأعطاه ضربة عنيفة في معدته. سقط سعدان على القش، وابتلعه جبل الذهب. تركه البيك، وغادر المكان.

 

أيها الطائر! أيها الطائر!

كانت نعيمة تجري في الليل بحثًا عن سعدان، وكانت تفكر: لم يعد الطائر إلى العش هذا المساء! أحست بالفرخ الذي كان ينمو في بطنها يتحرك بشكل يدعو إلى القلق. عندما كانت تفكر في زوجها، كان الفرخ يحك منقاره ببطنها. كان يريد أن يُضحكها، وكانت تقول لنفسها: آه! كم هو مدلل، فرخي. لم يكن الوقت للدعابة. كانت قلقة على سعدان الذي لم يعد إلى العش ككل مساء.

لمحت على أرض الفناء بقعة حمراء كانت تعكس ضوء القمر، فخفق قلبها بقوة. جثت بثوب الفلاحة الطويل المطرز، ولمست كتل الدم اللزجة. ثم، نادته بعينين محملقتين:

- سعدان!

وانفجرت باكية. أخذت تجري في كل الاتجاهات دون أن تدري إلى أين تذهب. كانت الخيول تقضم العشب، وتمضغه بهدوء، فأقلقتها لامبالاتها في تلك اللحظة الجسيمة. دفعت باب الحظيرة، فانتصبت بعض الأعناق المريشة، وحدقت فيها بعض العيون المدورة. قوقأت إحدى الدجاجات كأنها تسأل عم كانت تفعله هناك، فعادت نعيمة أدراجها، ونادت من جديد:

- سعدان!

جرت نحو الإسطبل الغارق في محيط من القش والظلام، وألقت نظرة عبر الأمواج السوداء والذهبية، فلاحظت أن البغل العجوز كان يبكي. كانت دمعة كبيرة تفلت من عينيه، وكانت تضيء نظرته الحزينة. توقفت نعيمة عن البكاء، لكن عضلاتها ظلت تتقلص. وهي تنظر حولها، وقعت على قدم كانت تتحرك بصعوبة، وكان كل جسد سعدان لا يتحرك، فهرعت إليه، صائحة: سعدان! أيها الشقي، يا سعدان! وجذبته إلى صدرها. حاولت قليلاً تنظيف جراحه، وعادت إلى البكاء.

 

ساعدها البغل العجوز على نقل سعدان حتى الساقية. عهدت به إلى الحيوان العطوف الوقت الذي تذهب فيه لإحضار بعض الدقيق من كوخهم، دقيق عجنته، وبسطته على الجراح. مزقت طرف ثوبها لتعمل له ضمادًا، وسعدان ينظر إليها مبتسمًا.

سألته:

- هل أنت أحسن؟ قل لي إذا كنت تشعر بالتحسن.

واصل النظر إليها، وهو يبتسم. كانت بسمته تشبه ابتهالاً شقيًا، ارتعاشًا موجعًا. قالت، وقلبها مفعم بالألم:

- لا تتألم، يا سعدان، أنا هنا!

جذبها إلى صدره، لكنها ابتعدت، وابتهلت:

- توقف عن الألم، يا سعدان! إياك أن تتألم أبدًا!

همهم سعدان:

- مساء جميل! أليسه مساءً جميلاً؟

أمالت رأسها، ونظرت بعينين زائغتين إلى الساقية.

حدثها سعدان عن كل شيء: غضب البيك، أوامره، ضربات السياط. كانت عينا نعيمة تضيعان دومًا في الساقية. تأمل عنقها، ورغب في أن يلتهم بأصابعه العاج. نظر إلى ضفيرتيها، وترك أصابعه تطيران للالتقاء بهما. أخذ ينقل الذهب من عقدهما الفحمية، ويلقيه في الهواء. كان سعدان يتسلى كما لو نسي كل شيء. ملك نعيمة الخوف، فهتفت:

- أعرف أنك لست أبله، كما يدعي الجميع، لكنك ستبقى الطفل الذي هو أنت حتى ولو مزقوك إربًا!

فكر سعدان: كم أحب هذه المرأة! ارتعشت شفتاه، وأراد أن يبكي على صدرها، أن يقول لها إنه يحبها، يحبها، نعم، يحبها. أضافت بين زفراتها:

- سأقتل نفسي لو يقتلونك!

- لا تكوني مجنونة!

لم تتمالك نفسها:

- سأكون مجنونة، سأكون مجنونة، وسأقتل نفسي ليموت الطفل معي، ولا يعرف أبدًا آلام هذه الحياة.

اقترب سعدان منها، وأراد أن يأخذها بين ذراعيه. نظر إلى عينيها الحزينتين، واجتاحت قلبه عاصفة من الحب. لمس بطنها بأصابعه المتكسرة، وضغطه، وهو يحس بحركة الطفل. ضغط البطن بقوة أكثر فأكثر بلا شعور منه، وهو يفكر: أريد أن يكون ولدًا! كان يمكنه خنق الصغير. وعلى حين غرة، أعاده ضحك نعيمة الشهواني إلى الواقع، قاذفًا به على الأرض من جديد، جريحًا، بلا قوة، ولا إرادة.

قالت:

- أنت تدغدغني. ارفع يدك!

قال بصوت غريب:

- نعيمة!

وعاد لها قلقها وحزنها. تابعت تلك الغيمة القاتمة في عينيه. انتظرت أن يتكلم، لكنه هز رأسه لمرات ثلاث، وأخذ يضغط جراحه تحت الضمادات ضغطًا خفيفًا. أمال رأسه نحو الأرض، وهو يبحث بين الحصى عن الحجر الذي سخر به. لمست نعيمة كتفه، فقال كما لو وجد كلماته:

- ليكن كل شيء واضحًا ما بيننا، أريد أن يكون ولدًا!

وضع يد زوجته على صدره، فأحست بقلب سعدان يسارع الخفق. قالت لنفسها: كم يبالغ في رغباته! في الواقع، أبدًا لم تكن رغباته تتحقق كما يريد، أبدًا لم يكن يستطيع أن يفعل منها ما يريد. عذب روحها نداء غامض، فأجابت آسفة:

- ليت الأمر كان بيدي!

ترك يدها، واستشاط غضبًا:

- أريد أن يكون ولدًا وإلا قتلته!

أرادت أن تسأله لماذا، لكنها قالت لنفسها، وهي تنظر إليه برقة، إن لديه الحق ربما، هكذا يغدو ولدها رجلاً قويًا وشجاعًا ذات يوم. فك سعدان ضفيرتها الأولى. زحف بأصابعه الجسورة حتى ضفيرتها الثانية، وفكها أيضًا. نثر شعر الليل، وهو يفكر: شعر ماجن! شعر أسود ماجن! كانت ناحية عدم الحياء هذه التي تثيره لدى زوجته، الخجولة مع ذلك والمحتشمة.

هتف، وكله ابتسام:

- إذا كان ولدًا صنعت منه البيك الذي أريد أو على الأقل رجلاً كبيرًا كالبيك.

عبست نعيمة، وجعلتها تلك الفكرة المرعبة بشعة التقاطيع.

قالت:

- إذا كان الأمر كذلك، أجهضت نفسي.

- نعيمة، لماذا؟

- لأن الرجال كالبيك هم أشرار، وأنا أريد ابنًا طيبًا.

بالمقابل، كانت لا تعجبه هذه الناحية الأخلاقية. كان، هو، طيبًا بطبعه، ولكن ماذا استفاد؟ إذا أصبح ابنه كالبيك قويًا أصبح هو أيضًا قويًا، وأمكنه امتلاك المزارع وبيتًا من حجر. قال لنفسه: لكني لن أشتري له سوطًا! وعادت إليه أوجاعه من جديد.

قال كمن يتعزى:

- البكوات ليسوا كلهم أشرارًا.

- بلى. كلهم أشرار، وأنا أكرههم. إياك أن تفكر في أن تجعل من ابننا بيك زمانه!

- لماذا؟

- سبق وقلت لك. وفوق ذلك، ابن الفلاح لن يكون أبدًا بيك كل الفلاحين!

- سيكون بيك كل الفلاحين، لكنه لن يسمي نفسه البيك. سيكون البيك، لكن بشكل آخر.

- أنت، أيها الأبله، من تحسب نفسك؟ سيد المغول؟ قلت لك ألا تفكر في هذا.

حط الصمت بينهما، توقف طائر الليل عن الصداح، لم تعد نجوم السماء تتلألأ، لم تعد شفاه الأشجار تهمس. مضت عدة لحظات دون أن يكسر سعدان الصمت. وفي النهاية، جرؤ على قول:

- حسنًا، لن أفكر في هذا، لكني مع ذلك أريد أن يكون ولدًا.

أخذت يده بين يديها، وقالت كما لو كانت ثملى:

- غدًا، عندما سنكبر غدًا، سيأتي إلى عوننا، أليس كذلك؟

انفجر سعدان ضاحكًا:

- أنت أيضًا تريدين أن يكون ولدًا.

- سيشتري لنا حصانًا يساعدنا على التنقل.

مسح بيده على جبينها، وأراد عناقها، لكنه اكتفى بقول:

- حصان واحد فقط؟ سيشتري لنا عربة تجرها أربعة خيول.

هتفت بفرح:

- أربعة خيول دفعة واحدة؟

أكد، وهو يترك نفسه إلى الفرح هو أيضًا:

- نعم، أربعة خيول دفعة واحدة.

- آه! كم هو طيب، كم هو يحب والديه! لكن...

ترددت، وغدت شاحبة، حزينة:

- أنا خائفة، يا سعدان!

ترددت أكثر، وشدت يده بقوة بين يديها:

- أنا خائفة من أن تكون بنتًا.

انتفض، وسحب يده مهمهمًا:

- أبعد الله عنا الشر! سيكون يوم نحس لنا جميعًا!

- مع ذلك البنات فيهن الخير، أليس كذلك؟

- لسن على الرحب والسعة دومًا.

- البنات فيهن الخير مع ذلك، هذا ما كانت جدتي قد قالته لأبويّ يوم ميلادي.

فكر سعدان: يا لها من شقية. لم يكن يتمنى لابنته أن تعاني الآلام نفسها.

- أوقفي التفكير في هذا! لا أريد أن تحدثيني عنه!

غمرت يدها في المجرى، والماء الرقراق يداوم على السريان. حتى ولو أوقفت التفكير في هذا، فسيحصل ما يجب عليه أن يحصل. قالت لنفسها: بنت أم ولد، طيب أم شرير، هذا شيء يتجاوزنا على كل حال، لا نستطيع أمامه شيئًا. عاد طائر الليل إلى الصداح، والنجوم إلى التلألؤ، والشجر إلى الهمس. فجأة، سمعته يقول:

- أحبك، يا نعيمة! أحبك أكثر من كل شيء!

كانت خائفة من أن تسبب له الألم، لكنها رغبت في وضع ثغرها على ثغره، كالطيور، وفي عض منقاره. اقترب سعدان بأصابعه من ظهرها، وزلق بأصابعه الموجعة حتى تجويف خاصرتيها. أراد أن ينزع عنها ثوبها، ويلقي به في الماء، لكنها حالت دون ذلك.

سألته:

- وجبل القش؟ عليك أن تنقله أولاً.

كان سعدان يفكر: حقًا إنه مسائي! وكان النرجس يتفتح على ضفة البحيرة السماوية.

 

في الصباح التالي، حضر عبد القادر عند سعدان. أعلمه أن البيك يريد رؤيته، ولما جاءه سعدان، أمره البيك بقطع أشجار الغابة ابتداء من اليوم. كان عليه أن يسوّي الأرض التي سيبني البيك عليها حاضنة لتفريخ البيض. لم تكن الحظيرة واسعة بما فيه الكفاية ولا عملية. خلال ذلك، ستحل نعيمة محله في الحقول، وبالطبع لسوف تعفى من أعمالها المرهِقة في القصر.

 

حمل سعدان فأسه، وذهب إلى الغابة. كان الجو جميلاً، والحرارة خفيفة، والنسمة لطيفة، والأخضر والأزرق سيدي المكان. كان المرء ليحسب نفسه في الفردوس! بقي يقف طويلاً بين الأشجار، وهو يعانقها بعينيه واحدة واحدة. فكر أنه سيقطعها، وسيقتلعها بوحشية الهالكين في الجحيم. على منظر فأسه، كانت أسراب الطيور تغرد مع ذلك. قال سعدان لنفسه: الطيور لا تعرف الارتياب! احتار بين أن يزرع فأسه في جذوع الشجر أم في قلبه، لكن جبنه سيجعل منه الرجل الأكثر شجاعة.

زرع سعدان فأسه في جذع صنوبرة، وهو يهمهم بحزن: سأقتلعها من الجذور، وسأفزع الأفراخ! عاد يزرع في الجذر فأسه، ففتح فيه جرحًا أبيض. أخذ يسدد في الجرح الضربات، في صميمه، حتى مالت الشجرة، والطيور لا تفطن إلى ما يقوم به، كانت تواصل الغناء، وهو يواصل تسديد رأس فأسه في جرح الصنوبرة الأبيض، وقلبه قاس كالحجر. هكذا كان يترجم جبنه: بدلاً من أن يسدد في قلبه الضربات، كان يسددها في قلب الصنوبرة، ويضع حدًا لحياتها. بدأت الشجرة تُخرج من حلقها الزفرات، فضربها سعدان ضربة الموت الأخيرة، لتنكسر، وتهوي. فزعت الطيور، وهربت بصغارها عن الأعشاش بعيدًا بعد أن انتهى بها الأمر إلى فهم أن أحدهم قد اعتدى عليها وهزمها، ولكن بعد فوات الأوان.

كانت الطيور الفزعة تحلق في كل الاتجاهات فوق رأس سعدان، وكان الشاب الفلاح يشعر بارتكابه الفعل الأكثر إجرامًا في حياته. رمى الفأس، وخف ليرى قمة الصنوبرة الساقطة على الأرض، فوجد عشًا مهدمًا، وبيضًا محطمًا، وأفراخ ضعيفة جدًا لا تقوى على العيش. أحس بمخالب أمها وأبيها تمزق له نياط القلب، وكان يلزمه الصراخ لشدة أوجاعه. فكر سعدان في الجنين الذي ينمو في بطن زوجه، وقال لنفسه: إنه الآن مثلها! وسالت على خده دمعة.

كانت الطيور تروح وتأتي في مجموعات صغيرة فوق رأسه، ففكر بحذر: تريد أن تشن حربًا! عندما نقره أحدها من جبينه، حمل فأسه، وهزها مهددًا، فخافت، وابتعدت. وليشجع نفسه، ردد سعدان: إنها أوامر البيك! فلق جذعًا آخر، ونفخ. كان يعرق، وكانت الطيور قد شكلت مجموعات أكثر أهمية، لكنها لا تجرؤ دومًا على الاقتراب منه، إلا أنها امتنعت عن التغريد.

 

في تلك الليلة، بكى سعدان. سألته زوجته السبب، فقال لها إنه سيموت عما قريب، لأنه اقترف جرمًا في حق الطيور بهدم أعشاشها. ارتمت بين ذراعيه، وقبلته من عينيه، ومن شفتيه، ورجته:

- إذا مت إياك أن تذهب وحدك، إذا مت خذني معك!

 

وهم على أبواب الخريف، قال سعدان لزوجه:

- قطعت شجرًا كثيرًا.

- وهل ستتوقف أم ماذا؟

- قال لي البيك أن أستمر. يريد أن تكون الحاضنة ضخمة.

ثم بصوت كاب:

- هدمت أعشاشًا كثيرة، وأكثر ما يقلقني مصير الطيور بلا مأوى.

تأمل بطن زوجه الضخم كجبل، وزلق بيده تحت الثوب، وضغط بطنها.

طلبت نعيمة:

- توقف! أنت توجعني!

سحب يده، ونظر طويلاً في عينيها، ثم جال بطرفه في كل أنحاء الكوخ.

- ماذا سنغدو، نحن، لو هدموا لنا عشنا؟

على هذه الكلمات الجارحة، قطبت نعيمة حاجبيها، واكفهرت عيناها.

أضاف سعدان:

- إن الأمر سواء، أليس كذلك؟

 

في ليلة المخاض، دفعت نعيمة كوعها في خاصرة سعدان، وهي تعض شفتها السفلى حتى النزيف، وتتلوى من أشد وجع. أشعل سعدان المصباح، وجذبها إليه. كان يتوجع لوجعها، وكان يفكر: هذه الليلة ليلتها. أراد أن يهرع في طلب عون أحدهم، لكنها نادته. كانت الأوجاع قد توقفت. قالت له:

- لا تحضر أحدًا.

عاد يتمدد إلى جانبها، ولف كتفيها بذراعه. اقترب بوجهه من وجهها، وحك ذقنه بذقنها.

سأل سعدان:

- لماذا، يا لعبتي؟ لماذا، يا طفلتي؟ لماذا لا تريدين أن أحضر أحدًا؟

أجابت نعيمة:

- لأنني أخجل من أن يراني أحد.

- لكنك بحاجة إلى عون.

- ستعينني أنت.

- ولكن... أنا لا أعرف شيئًا.

- سأقول لك، سأقول لك ما عليك فعله.

تفجرت الأمواج فيها بقوة أكثر فأكثر، وكأن بحرًا من الزجاج المسحوق كان يخترقها. كانت تصعد من خاصرتيها حتى حلقها، مزلزلة إياها من طرف إلى طرف. أفلت منها الدمع، وسعدان يبكي من الألم معها. كان يعاني مما تعاني، وكان كمن يلد هو.

لم تلبث نعيمة أن غرقت في العرق، فمسح سعدان بكمه جبينها، ووجنتيها، وذقنها.

ابتسمت نعيمة، وسألت:

- أنت تفعل هذا من أجلي أم من أجل الولد؟

- من أجلك، أفعل هذا من أجلك.

- ومن أجل الولد.

- من أجلكما أنتما الاثنان، أفعل هذا من أجلكما أنتما الاثنان.

- آه! يا له من شقيّ، هذا الولد الذي يعذب أمه!

- نعم، يا له من شقيّ!

- ليس بالشقيّ الآن.

- نعم، ليس بالشقيّ الآن.

فكرت قليلاً، ثم:

- كيف سنسميه؟

لم يجب سعدان. شحبت ابتسامة نعيمة.

- قل لي، يا سعدان. كيف سنسميه؟

نهض، لكنها أمسكته من ذراعه.

- لا تتركني، يا سعدان.

- إذا تركتك في الحالة التي أنت عليها مت. سأذهب لأحضر زوجة عبد القادر.

- لا، يا سعدان. قلت لك إنني لا أريد أحدًا أن يراني.

غابت قليلاً، ثم:

- دومًا ما كانت أمي ترفض أن يراها أحد، وكانت تلد وحدها.

- ولكن، إنه لمن الجنون! جنون طفلة فاقدة الرشد تمامًا!

- من فينا فاقد الرشد أكثر، أنا أم أنت؟

- لست فاقد الرشد في اللحظات العسيرة.

ضحكت على الرغم منها:

- أنت تضحكني، يا سعدان!

مال عليها، وهو شديد القلق، وداعب وجنتيها وعنقها مهمهمًا:

- أحبك! انتبهي على نفسك! أنت لديك إرادة الحديد، أليس كذلك؟ كوني قوية!

عادت إلى الضحك على الرغم منها:

- أنا أم أنت من عليه أن يكون قويًا! اذهب وانظر إلى نفسك في المرآة، هيا، اذهب. لا تخش شيئًا، في البداية لا تجيء الطلقات تباعًا، هناك فترات طويلة أحيانًا. أنا لا أمسكك. اذهب وانظر إلى نفسك في المرآة، لتضحك قليلاً.

ابتسم سعدان دون أن يتحرك. فكرت في أنه قال لها "أحبك"، فغمرها شعاع سماوي.

همهمت:

- وأنا أيضًا، أحبك!

شحبت ابتسامتها شيئًا فشيئًا، ثم:

- لم تقل لي كيف سنسمي ابننا.

- لم أفكر في ذلك.

- إلى هذه الدرجة تكرهه؟

لم يجب.

- قل، أتكرهه إلى هذه الدرجة؟

- أنا لا أكرهه، لكنه يؤلمك بشدة.

مدت له يدها، فشدها بقوة. كانت باردة كقطعة الجليد:

- لا بأس في هذا، سيبقى ولدًا طيبًا، أليس كذلك؟

- أرجو ذلك.

- أنت ترجو ذلك؟ هل نسيت العربة التي تجرها الخيول الأربعة، العربة التي سيشتريها لنا عندما نصبح كبارًا؟ إنه ولد طيب.

- نعم، إنه ولد طيب.

- ولد طيب سيعنى بأمه العجوز الصغيرة، وبأبيه الشيخ الصغير.

- نعم، ولد طيب سيعنى بأمه العجوز الصغيرة، وبأبيه الشيخ الصغير.

- حسنًا. سخن الآن دلو الماء، واحضر الطشت هنا، قربي. احضر لي أيضًا الحفاضات، إنها جاهزة هناك، في الدولاب. هيأتها مع أسمال ولدنا. وانتبه جيدًا على ألا تُلبس الصغير قبل أن تغسله وإلا وسختها كلها. هيا، قم وافعل ما قلته لك.

خطا سعدان خطوتين، لكنها ما لبثت أن نادته، وغرزت أظافرها في ذراعه. كانت الآلام تتزايد، وكانت تقصف لها الأحشاء. كانت قلاع فيها تنهار، وكانت جذوة القنديل تئن. تقلصت، تقوست، يبست، وتركته في الأخير، وابتسمت ابتسامة شاحبة، وهي تلهث.

همهمت، وهي تلمس جرحًا صغيرًا على ذراعه:

- لقد أوجعتك. آه! كم هو شقيّ، هذا الولد الذي يوجع أمه. هل يعجبك ولد كهذا؟

- لا، لا يعجبني.

- لماذا؟ إنه طفل!

- طفل أم غير طفل، لا يعجبني، فهو يسبب لك الكثير من الألم.

- أنا، يعجبني، رغم كل آلام العالم. يعجبني طفلي. وأنت؟

- لا يعجبني.

- حسنًا. تستطيع أن تفعل ما طلبته منك.

أشعل البابور، ووضع عليه دلو الماء. قال لنفسه، والقلق يبدو عليه لحال نعيمة: على الماء أن يسخن بسرعة، ووصله صوت زوجته الواهي:

- أحبك، يا سعدان! دومًا ما كنت تريد إسعادي رغم كل ما نحن فيه من شقاء، وإذا مت؟ إذا ذهبت وحدي بعيدًا عنك؟ ستنقص مصيبة من مصائبك.

جاء قربها، وهو يرجوها أن تشفق به:

- أنت سعادتي، يا نعيمة! لا تحرميني من سعادتي، يا حبيبتي!

دفن وجهه بين نهديها ليشم أفضل ما يشم رائحتها المثملة، وقال بصوت مرتجف:

- أنا لا أريد أن أفقدك.

- هل تحبني إلى هذه الدرجة؟

- أحبك أكثر من كل شيء.

غدت شفتا نعيمة باردتين تمامًا، وحلقها جافًا، وأضلاعها سهلة الكسر، أكثر فأكثر سهلة الكسر, وكالطفل، دحدل شعبان رأسه بين نهدي زوجته، كان يبدو للناظر أنه هو من يموت، ومن يستغيث.

- لا تعذب نفسك، يا رجل! لن أموت. لي أفكار سيئة أحيانًا.

- أفكار امرأة مجنونة!

- سأكف عن اليأس. هل سأكف؟

- نعم، من أجلي.

- حسنًا. احضر لي الطشت، بدأت أنزف.

ترك الكوخ، وأخذ يجري في الليل نحو البئر، فمن عادته أن يغطيها بالطشت. فكر سعدان: ستلد عما قريب! لم يكن سعيدًا. كان يرزح تحت وطأة هذا الحدث. عندما وصل البئر، أخذ الطشت، وبقي طويلاً يسبر أغوارها. وبعد ذلك، رفع رأسه إلى السماء، ولمح غمامًا أسود كان يزحف على مهل. قال لنفسه، منقبض القلب، لما سمعها تصرخ فجأة: ستلد عما قريب، إنها على وشك الولادة! ترك الطشت يسقط في جوف البئر، وبدوره، سقط في ضجيج لا ينتهي. وثب إلى البيت للحاق بها، وعندما كان قرب السرير، رأى بين فخذيها شيئًا أشبه بحيوان صغير، بقط ربما، مغطى بالدم والغائط. كان هذا الشيء يصرخ ويبكي. أخذ نعيمة بين ذراعيه، كانت ثقيلة جدًا بحيث لم يستطع رفعها، ففهم أنها كانت ميتة.

 

قال سعدان:

- شقيقة النعمان هذه لها، وهذه، وهذه، ستكون باقة جميلة، وهذه أيضًا.

قطف شقائق النعمان، وهو يقفز من رابية إلى أخرى. كالسعدان. المعنى الآخر لاسمه. لكن منذ موت نعيمة، كان يفضل لو يدعونه نحسان. نحسه الأول كان موت زوجته، ونحسه الثاني سيكون ربما غدًا أو بعد غد، كان من الصعب التنبؤ به. لم يكن يعلم ما سيقع له ولا متى. الحقيقة أنه كان يحزره لكنه كان يبقى سره. ومنذ ذلك الحين، كان يخاف المستقبل، فيعمل كل شيء لاحتواء خوفه ويأسه. وشقيقة النعمان هذه أيضًا لها. لو كنت أقدر لقطفت لها روحي. وهذا المنثور. من أجل عيني نعيمة، الغادرة! ماتت وتركتني وحدي! وهذا أيضًا. انحنى وكأنه يصلي لإله الزهور. وزهر اللؤلؤ هذا. كانت تحب زهور الحقول! أخذ قلبه ينزف. أشار إليه منثور على كتف صخرة، فقفز صوبه. لم تزل الباقة صغيرة جدًا بعد. كانت تحب زهور الحقول من كل قلبها، وغالبًا ما كانت تغرز بها شعرها في المساء. ثلاث أو أربع. تذكر اليوم الذي كان فيه قد سرق باقة من القرنفل من حديقة البيك، وكيف كانت قد زوقت بقرنفلة دموية نهديها. عاد يقفز من مكان إلى آخر. نادته هندباء برية من سريرها المندى، فقطفها من جذرها، نظفها، وأحاط الزهور بها. قال لنفسه: ها هي ذي تنتظر! منذ غيابها، كان يشكل لها كل يوم باقة من الزهور التي كانت تحبها. تساءل: وإذا ما انتهت زهور الحقول؟ لكنه طمأن نفسه: لن تنتهي! هذه الأرض كالمرأة، تخصب في كل الفصول! شقيقة نعمان أخيرة، وجرى إلى المقبرة. قطع الأولاد ألعابهم لينظروا إليه، مستغربين ومليئين بالود في آن. وقف وسط القبور، وأجال نظره عليها. كان عالم الموتى يثير لديه الخشوع، السكون، والأبدية. اقترب من قبر امرأته، وتلا الفاتحة، وهو يشد باقة الزهور على صدره، ويكاد يكسر تيجانها. ثم وضع الزهور على المِسلة. جلس على الأرض قائلاً لنفسه: نعيمة سعيدة الآن. لم يكن بإمكانه أن يكبح مشاعره نحوها، وترك دمعه يسيل، لكنه منع نفسه عن الصياح بها: هاءنذا! تمدد على القبر، وغطاه بالقبلات. تعلق به، وعاد إلى البكاء.

 

عندما رجع سعدان إلى الحقل، وجد عبد القادر ينتظره. كان رئيس العمال قد أطلق لحيته، وكان له شكل الغصن الشائك. كان الغبار يغطي وجهه، وقنبازه القذر تفوح منه رائحة كريهة. كان عبد القادر الوحيد الذي يفهم ألم صديقه "الأبله"، الطفل الأبله، كما كان يقول. كان يرمي إلى أن يكون حاضرًا دومًا للوقوف إلى جانبه، وكان يتفنن في ابتكار كل الذرائع لئلا يدعه وحيدًا.

قال عبد القادر:

- كنت بانتظارك.

تطلع إليه طويلاً، كان الدمع قد جف على وجه سعدان، لكن الناظر إليه كان يرى أنه بكى. فكر رئيس العمال "يا لسعدان المسكين!" قبل أن يقول له:

- توقفت العفريتة!

هكذا كانوا يسمون التراكتور: العفريتة!

- لهذا أحضرت البغل الشيخ.

وأشار بإصبعه إليه.

كان البغل العجوز يرعى، أسنانه التعبة تسبب له الألم، ومع ذلك، كان يبدو طلق المحيا. لم يفه سعدان بكلمة، فتقدم عبد القادر منه خطوة، ووبخه بلطف:

- إذا بقيت على حالك هذه انتهى بك الأمر إلى الموت غمًا!

خلى سعدان كلماته دون أن يستطيع إخفاء يأسه:

- إذا متنا أو عشنا، الحال هو الحال، يا عبد القادر.

- لا، ليس الحال هو الحال. ونبرة اليأس التي تستعملها هذه، شيء جديد، شيء جديد حقًا! هناك بنت تركتها زوجتك من ورائها، ثم حياة مديدة مفتوحة أمامك عليك أن تعيشها حتى النهاية.

بعد أن تطلع إلى حاجبيه الكثين ولحيته الشائكة كما لو كان يراه للمرة الأولى، قال سعدان بهدوء:

- هذه الحياة لم تعد حياتي.

- بلى. هي حياتك. لا تنس ابنتك، إياك!

- كنت أريد أن يكون ولدًا، كنا نريده نحن الاثنان، أنا ونعيمة.

- مهما يكن من أمر، فهي بنت. ماذا تقترح أن نفعل بها؟ هيا، قل! ربما تريد أن نرميها في الغابة لتأكلها الذئاب؟ إنها ابنتك، شئت أم أبيت.

ظل سعدان صامتًا. فكر: إنها ابنتي على الرغم من كل شيء. حقًا لم يكن يريدها، لكنه أصر على تسميتها نعيمة كزوجته المتوفاة. كان قد عهد بها إلى زوجة عبد القادر لترضعها وتعنى بها.

نطق عبد القادر جملة كان لها أثر هجوم الطيور الجارحة:

- الحل الوحيد، يا سعدان، هو أن تتزوج، لأجل ابنتك، ولأجل أن تنسى. بنات الحلال كثيرات، وما عليك سوى الاختيار. لم لا زينب؟ زينب تحبك.

فكر سعدان: زينب تحبني. هذا الحب مصابي الثاني الذي يتربص بي بعد موت نعيمة، أنا النحسان.

تركه عبد القادر يفكر، وذهب ليربط المحراث بالبغل الذي جره من اللجام، فتحولت الأرض من ورائه إلى أثلام مستقيمة ومنتظمة. عندما تعب البغل، زرع حوافره في الأرض، ورفض القيام بأية حركة.

قال عبد القادر:

- ها هو "الأخ" يتوقف عن العمل، هو أيضًا، كما توقفت العفريتة.

سأل سعدان:

- ومتى سيصلحها البيك؟

- الله يعلم. ماذا سنفعل؟ البغل كبير كثيرًا، وهو على وشك الموت.

قفز سعدان نحو المحراث، فك البغل، وربط بالمحراث نفسه.

صاح:

- تعال، يا عبد القادر! احرث على ظهر هذا البغل قبل أن يموت هو الآخر!

 

بعد ست سنوات، كان سعدان وعبد القادر يحتسيان كأسًا من الشاي في مقهى القرية.

سأل عبد القادر:

- قل لي، يا سعدان، حتى متى ستبقى على عنادك؟ متى ستتزوج بزينب؟

أجاب سعدان:

- لست أدري. يوجع قلبي هذا النوع من الفتيات.

- يوجع قلبك لأنها رفضت إلى حد الآن كل خاطب؟

- ربما كان كذلك. ثم، بعد زوجتك، هي من تُعنى بابنتي.

- نعيمة تحبها من كل قلبها، وتدعوها "يمّا".

رشف سعدان شايه، تأمل شعر عبد القادر الأبيض ولحيته الناعمة اليوم، وهتف بابتسامة صغيرة:

- شاب شعرك كله، يا عبد القادر!

- إنها الرزانة التي تنقص الشباب!

وضحك حتى دمعت عيناه.

اقترب برأسه من رأس صديقه، وعهد إليه بشيء من الكآبة:

- سيأتي يوم نموت فيه جميعًا، يا سعدان. لهذا أنصحك بالزواج، لتترك من بعدك نسلاً يحمل اسمك. أنت كذلك شعرك قد بدأ يشيب.

مر سعدان بيده في شعره بينما تابع عبد القادر:

- أنت شبت قبل الأوان، وأنا أعرف لماذا، فلهذا الحريق الأبيض أسبابه.

- أنت أحسن من يعرف الوحل الذي نحن نتعثر فيه.

فكر عبد القادر: لا يقول الوحل الذي أتعثر أنا فيه. ربما كان يتكلم عن الوحلين، وبكلام آخر عن كل التعاسات التي كانوا كلهم يعانون منها.

- أذكرك إذا تزوجت زينب، جاءتك بكدها وعرقها مهرًا، ولن تنفق قرشًا واحدًا من أجل الجهاز. زينب ربة بيت لا غبار عليها، لديها كل ما يلزم، ستنقل فراشها إلى دارك، ويوم زواجكما، سأذبح لكما نعجتين.

سكت ليرى رد فعل صديقه، ثم:

- ماذا قلت؟ ما عليك سوى أن تحدد يوم الزواج، وسأتكلف بالباقي.

في تلك اللحظة، دخل المقهى شاب بأقصى سرعة، وقال بكلمات مضطربة:

- المعركة بدأت!

مما أدهش سعدان:

- عن أية معركة تتكلم؟

أحاط كل الرواد بالشاب ليعرفوا أية معركة هي. لم يكونوا ينتظرون حدثًا كهذا.

أوضح الشاب:

- يحاول اليهود احتلال جنين.

- ماذا؟!

- يحاول اليهود...

- ...احتلال جنين!!!

كانت بينهم وبين جنين مسافة عشرين كيلومترًا، لكنهم لم يكونوا ينتظرون أن يهجم الإسرائيليون، أن يجيئوا إلى هناك. كان عالمهم عالم البيك، سوطه، وصولجانه. كانوا لا يعرفون ما يجري خارج حدوده، ولا يسعون إلى معرفة ذلك. لكن "اليهود" كانوا يهجمون... استعاد الفلاحون صياحهم الضائع، وامتزجت أصواتهم المبحوحة. لم يكن في المقهى مذياع، ولا في كل القرية، ما عدا مذياع البيك، فكيف عرف غراب الشؤم هذا الخبر؟ من قال له؟

اقترح الشاب:

- اصعدوا فوق الهضبة، فيكون باستطاعتكم مشاهدة قصف المدافع والدبابات.

- ليس هذا صحيحًا!

- ما أنت إلا كاذب!

- ليس هناك غيرك من يقول هذا!

- لا بد أنك تهذي!

والآخر يدلي بالأيمان المغلظة، أنه عائد من نابلس، أنه رأى بأم عينه، عند مطلع الفجر، فرقة مدرعة، وقافلة من الجنود المشاة، وهي تقطع الحدود، الحدود الحقيقية، لا الأخرى، حدودهم، الوهمية!

وسعدان يغادر المقهى، قال لعبد القادر:

- كنت قد عزمت على الزواج بزينب، أما الآن والحرب بدأت...

 

بعد عدة أيام، تربع سعدان على الأرض أمام طاس من الألمنيوم مليء بالزيت، علي ركبته رغيف خبز أسود، وبيده كأس شاي. غمس الخبز في الزيت، ودفعه في فمه مع جرعة من الشاي. جلست الصغيرة نعيمة على مقربة منه، وهي تحك عينها اليسرى، وتنظر إلى أبيها.

سأل سعدان، وهو يبتسم لها:

- لماذا لا تأكلين؟

واصلت حك عينها بينما كان عنقود مخاطي يسيل من منخرها ليصل شفتها العليا، ويلتصق بها.

- نعيمة، لماذا لا تأكلين؟

واصلت حك عينها أكثر فأكثر.

- نعيمة، كلي!

نشقت العنقود المخاطي دفعة واحدة، وقالت:

- هذا الأكل، أنا لا أحبه، يابا.

وسال عنقود أصفر آخر من منخرها.

قال، وهو يقدم لها كسرة:

- لكنه خبز جيد، حتى ولو كان أسود وابن البارحة. ربما أنت لا تحبين خبز القرية، ، ومع ذلك، فهو خبز جيد، جيد جدًا، والزيت من أجود الزيوت.

ومن جديد، نشقت العنقود المخاطي، وتدحدلت خطوتين. تناولت كسرة الخبز، وعضتها، لكن الخبز كان يابسًا، فأوجع أسنانها. جذبت كمها على أنفها، ومسحته.

أوضح سعدان:

- عليك أن تغمسي خبزك في الزيت كي يطرى.

تركت كسرة الخبز تسقط على ركبتها، وخفضت رأسها بعناد. رفع لها أبوها وجهها بإصبع وضعها تحت ذقنها: وجه بقّعه البؤس والنمش.

- ما لك، يا نعيمة؟

- أنا لا أحب الزيت.

- ليس عندي زعتر. تريدين أن أذهب في طلب قليل منه لك؟ ما أطيب الزيت بالزعتر!

هزت رأسها علامة الموافقة.

قام سعدان بقفزة عند الجيران، ولم يتأخر عن الرجوع بحفنة من الزعتر.

قال لابنته:

- خذي، ها هو الزعتر. كلي!

توقفت الطفلة عن حك عينها، وقد غدت حمراء، فأخذ أبوها وجهها بين يديه، ونظر بانتباه.

- انظري إلى ما فعلت في عينك!

همهمت الصغيرة نعيمة:

- كانت تحكني.

- طيب، كلي.

قسمت قطعة خبز صغيرة، ورمتها ناشفة في فمها.

- أنت تسخرين مني أم ماذا!

- لماذا يابا؟

- والزعتر، لماذا طلبت من أن أستعيره من الجيران؟ أليس لتأكليه مع الزيت؟

- لكني لا أحب الزعتر، ولا الزيت، لا أحب شيئًا.

- أنت لا تحبين شيئًا، حقًا لا شيء!

- أنا لا أحب شيئًا، حقًا لا شيء.

وبعد لحظة:

- ما عدا شوربة زينب.

- ما عدا شوربة زينب!

- ما عدا شوربة زينب. أنا لا أحب شيئًا، ما عدا شوربة زينب.

أراد أن يقول لها في زمن الحرب، زينب لا تعمل شوربة، تأكل خبزًا مغموسًا في الزيت والزعتر كالجميع. كان البيك قد علق كل ما يدفع للفلاحين، حتى أنه كان قد شطب كل حصص الحبوب. وبانتظار أن تنتهي الحرب، وأن تعود الأمور إلى مجاريها، قرر سعدان إرسال ابنته لتعيش مع أطفال عبد القادر كالماضي، فتنسى قليلاً شوربة زينب.

قال سعدان:

- لم تعد زينب تعمل شوربة.

قالت الطفلة:

- أعرف.

- وكيف تعرفين؟

- لم يعد هناك كرنب، ولا أية خضروات. البيك أكلها كلها!

- من قال لك هذا؟

- زينب.

فكر: لقد علمتها زينب أشياء كثيرة!

- إذن كلي قليلاً من الزيت والزعتر، واشربي قليلاً من الشاي، هذا لذيذ مع الشاي. خذي، هذا كأسك.

- أنا لا أحب الشاي، أحب شوربة زينب.

- قلنا إن زينب لم تعد تعمل شوربة، وأنت يجب أن تأكلي لتكبري.

- صحيح أن اليهود يقتلون الأطفال الذين لا يريدون الأكل؟

- ماذا؟!

دست قطعة خبز في فمها، وأخذت جرعة شاي.

- من قال لك هذا؟

- زينب.

فكر سعدان: إذن هكذا جعلت زينب ابنتي عاشقة بشوربتها! أراد أن يقول لها إن ذلك ليس صحيحًا، إن لا علاقة للحرب بالأطفال الذين يرفضون الأكل، لكنه عدل عن ذلك:

- انسي كل هذا، وانتهي من الأكل.

رمت النحيفة الصغيرة كسرة الخبز، وقالت، وهي تركض نحو الخارج:

- شبعت.

وفي اللحظة ذاتها، دوى انفجار قوي في أقصى القرية، فصرخ سعدان:

- نعيمة!

وركض خلفها.

رآها في الحقل بعيدة، بينما كانت تمضي في السماء قاذفة قنابل.

- نعيمة، ارجعي!

رمت الصغيرة أباها بنظرة مذعورة، فقفز ليشدها إلى صدره بقوة، وهو يهمهم:

- يا طفلتي! يا صغيرتي!

ابتعد، فرأى وجه زوجته المتوفاة أمامه. ابتسم له الوجه ابتسامة مظللة بالعتاب، لأنه توقف عن وضع باقة الزهور المعتادة على قبرها، فقرر الذهاب إلى أبعد رابية لو يلزم ليقطف كل ما يوجد من زهور.

- يابا، انظر فوق!

رفع سعدان رأسه متابعًا الإصبع الصغيرة المقوسة، وحطت عيناه على قمة شجرة لوز.

- ماذا هناك، يا نعيمة؟

- العش، ألا ترى العش؟

 

وفي اللحظة ذاتها، حطم الفلاحون الجوعى، على رأسهم عبد القادر، بوابة قصر البيك، وأشعلوا النار فيه. سقط العديد منهم تحت رصاص حراس القصر، وبالمقابل قُتل البيك، وطُردت عائلته إلى ما وراء نهر الأردن، من حيث جاءت. وُزعت مخازن الحبوب على الجميع، وصاح عبد القادر بقوة وسط الحطام:

- نحن أحرار!

ومن وراء الهضبة، أصبح القصف أكثر فأكثر حدة، أكثر فأكثر قربًا.

 

- العش في الأعلى، ألم تره؟

أبعد سعدان أغصان شجرة اللوز الواطئة، ورأى عشًا من القش معلقًا على العرف.

قال:

- رأيته.

طلبت الصغيرة، وهي تقرص ظاهر يده:

- اصعد، واحضر لي بيضة.

- ولكن يجب ألا نزعج الطيور، حرام أن نسرق بيضها، ونضايق الأفراخ في عشها.

- أعرف، قالت لي زينب ذلك. سألعب معها قليلاً، ثم تصعد ثانية، وترجعها، أنا أعدك.

بقي سعدان في مكانه حائرًا.

- هيا، يابا! احضر لي بيضة!

- حسنًا. سأحضر لك بيضة، ترينها، وأرجعها في الحال إلى عشها، هذا إذا كان هناك بيض.

- هناك بيض، أنا أعرف.

- زينب أيضًا هي التي قالت لك ذلك؟

- لا.

- إذن كيف تعرفين؟

- لقد حلمت بذلك.

قرصها من ذقنها، وأخذ يتسلق شجرة اللوز حتى العش، فرأى فيه ست بيضات صغيرة جدًا، دون أبويها، ولا أحد. قال سعدان لنفسه: جعلت الحرب الطيور تهرب، ولم تحضن بيضها! أخذ بيضة بأصابع حذرة، ونزل بعجلة، وهو يقصف بعض الأغصان. قفز أمامها، وهو يلهث:

- خذي!

وشاهد اللؤلؤ بين شفتيها.

رددت الطفلة مستثارة كلها:

- يا يابا! يا يابا!

طوت أصابعها على البيضة، وهي تغني: يا يابا! يا يابا! كانت سعادتها! كانت تدور، وتدور، وهي تداعب البيضة الصغيرة، وهي تقبلها، وهي تضعها على صدرها. يا يابا! يا يابا! كان سعدان جذلان لجذلها، لسماعه لها. كانت الوحيدة التي لا تفكر في الحرب. انقبض قلبه، وهتف:

- هذا يكفي، يجب عليّ إرجاعها.

رجته الصغيرة:

- لا، انتظر قليلاً.

- هاتي البيضة!

أخذها من يديها، وعاد يتسلق شجرة اللوز.

سألت نعيمة بينما كان أبوها يصعد:

- هل تظن أن هناك عصفورًا صغيرًا فيها؟

- وما يدريني؟

أكدت البنت:

- هناك واحد، وهو صغير صغير كحبة القمح.

لم يجب، وهو يواصل الصعود، لكنها أوقفته:

- يابا...

- ماذا؟

- عندما تصبح البيضة فرخًا، هل ستحضره لي كي ألعب معه؟

ابتسم.

تابعت الطفلة:

- أعرف أن على الأطفال ألا يحرموا الأفراخ الصغيرة من أمها وإلا ماتت.

لم يعد سعدان يبتسم.

عندما وصل قرب العش، سمع ابنته تناديه من جديد، وفورًا بعد ذلك وصله صخب كان يشبه رشقة طلقات متواترة، فصاح من أعلى شجرة اللوز:

- هل أنت بخير، يا نعيمة؟

كان الصمت الجواب الوحيد، وكانت الأغصان المتأرجحة تحت قدميه تحجبها عنه.

- يا نعيمة، هل أنت بخير؟

لم تجب الصغيرة.

- أجيبيني، يا نعيمة!

الصمت دومًا.

رشقة طلقات متواترة أخرى، تلاها انفجار. تشنجت يده، فتكسرت البيضة الصغيرة بين أصابعه. من فوق، رأى النار والدخان في قصر البيك، وفي كل أكواخ القرية، المهدمة تمامًا. وكأن أحدهم سدد نصلاً في قلبه، وطعنه. وهو يعجل النزول من شجرة اللوز، لم يعرف كيف هدم العش، وكيف حطم البيض الذي فيه، لم يعرف كيف صرخ باسم ابنته الغالية على قلبه عدة مرات كالهالك في أرض الجحيم: كان يزلق، وكانت الأغصان تتكسر تحت ثقله، وكان يسلخ يديه، وكان يمزق صدره، ساعده، عقله، لأن نعيمة لم تكن تجيب، لم تكن تجيب. كان يواصل الانزلاق، الانهيار، السقوط، إلى أن وجد نفسه وحيدًا، مجردًا، دون قوة ولا أصدقاء، وجهًا لوجه مع رشاشات العوزي...

 

 كتبت هذه القصة الطويلة منذ أربعين عامًا وهي تحمل اسم المجموعة الصادرة في الجزائر عام 1972 واليوم يعاد نشرها ضمن الأعمال الكاملة لأفنان القاسم.

 

Views: 94

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)