Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

Hitch your wagon to a star

سلطان الدفان :


في جنوب بغداد وعلى استدارة احد اذرع نهر دجله كانت تقع قريتنا قبل خمسين عاما, النهر مترع بالماء العذب
والارض تجود بالخيرات , في تلك الايام كانت الطبيعة كريمة بعطائها , وكان الانسان قانع بما يحصل علبه
لا مثل هذه الايام فطبيعتنا شحيحه والشراهه تجعل الناس بتقاتلون فيما بينهم .
كانت الايام تمر بسلاسه , لولا الامراض التي كانت تفتك بنا ,ولولا ( سلطان الدفان ) لكانت تلك الايام وكأنها الاحلام.
بين فينة واخرى تعصف بقريتنا عواصف الموت , تكتسح من اهل القريه بدون اختيار , موت عشوائي سببه
امراض كثيرة ومتنوعه , كنا لانعرف لهذه الامراض اسما كما بعرفها المتعلمون بل كنا نسميها بأسماء نستوحيها من اعراضها.
بعد هدوء عواصف الموت والعويل وصراخ الالم الذي تركه فراق الاحباب. يبدأ عمل ( سلطان الدفان ) الذي يأتي كرهنا له بالدرجة الثانيه بعد الموت.
كان (سلطان الدفان ) هو من يدفن موتانا اما مهنته الكريهة هذه فهي متوارثة في عائلته حتى لقد انسحب كرهنا
لهذه العائلة ايضا فلا تزاور بينهم وبين اهل القريه ولا تزاوج , اما ( سلطان الدفان ) هذا , كان طويل القامة نحيفها , بوجه شديد السمره وعضام بارزه , لايسرك ان تشاهده لا ليلا ولا نهارا, لعن الله الموت الذي جعل منه
رجلا لايمكن الاستغناء عنه . كان هذا الرجل يعيش بمعزل عن القريه كان يسكن بيتا كبيرا قرب المقبره يضمه هو واولاده واحفاده. انها عزلة عائليه .
كان (رفيق) المجنون وحده من يستطيع التنقل بين القريه وبيت الدفان , لقد سقطت عنه كل اعتبارات الخوف والخرافه , فكان جنونه هو جوازه للمرور بحريه بين القريه ودفانها .
كانت القريه لاتعرف شيئا عن الدفان وعائلته فليس هناك من يزورهم ويعرف احوالهم لقد كانت هناك حواجز كثيرة بين القريه ودفانها, حواجز مثل الخوف والاشمئزاز والاساطير التي جعلت من الاشباح و(الطناطل)ابطالا يجوبون المقبرة ليلا لحراستها والويل لمن يدخلها بدون علم من الدفان فانه سيكون لعبة بيد الاشباح ,وحده الله من يعلم ماذا سيجري له . كان (رفيق)المجنون يؤكد هذا الامر ويقول انه شاهد ذات ليلة الاشباح وهم يسجدون ل(سلطان) الدفان خضوعا له ,وصفهم ذات يوم (رفيق المجنون) فقال ( عفاريت تصل اطوالهم كطول النخله ,عيونهم حمراء من الغضب ,يستطبعون كسر ظهر الرجل بضربة واحده).
في احد ى الليالي استفاقت القريه على صوت صراخ مرعب لرجل خرج للبحث عن نعاجه التي ضاعت منه, لم يعرف ان قدماه وضلمة الليل تعاونتا على ايصاله للمقبره حيث استقبلته الاشباح بالضرب الموجع ولم تترك في جسده شبرا الا واصابته بحجرا ا وضربة عصى , ناهبك عن الصراخ الذي كان يصم اذنيه , لقد سقط الرجل صريع الرعب والجراح .
ويأتي الخبر مع (رفيق) المجنون ( ان الدفان يحذركم من دخول المقبره فانها ارض مسكونه وكل من يدخل فيها عليه ان يتحمل كل شيء ).
تمر الايام في قريتنا بهدوء لايعكره الا زيارة الامراض لنا ,او ذكر (سلطان)الدفان ,كانت هنالك اسماء تصيبنا بالرعب ,اسماء مجرد ذكرها يخرس اشد الالسن ثرثرة , اسماء مثل (زويحير) و(بلابوش) و(ابوزوعه) و(سلطان الدفان).
في اجد الايام سرت شائعة في القريه مصدرها (رفيق) المجنون تفيد بأن الدفان يدفن الموتى بدون اكفان , فهو يقوم بسرقة الاكفان لكي يبيعها من جديد, كأن الصاعقة ضربت القريه , وراح الالم يعتصر قلوبنا ونحن نتخيل امواتنا وهم يرقدون في الارض عرايا, لكن مالذي نستطيع ان نعمله وليس بوسعنا التأكد مما قيل , وحتى لوتأكدنا مالذي سنعمله للآنتقام من الدفان وهو الذي تحيطه وتحميه العفاريت والاشباح , نحن قوم عاجزون امامه.
لم يبقى امامنا سوى اللعنات السريه نكيلها له صباحا ومساء , وفي صلاتنا كنا ندعو الله للانتقام منه , حتى اصبحت دعاوانا على الدفان احدى اركان ديننا .
تمر الايام والامراض لاتنسى زيارتنا , وموتانا يرقدون عرايا , والدفان يسرق الاكفان , وبقينا نحن نلعنه في سرنا وندعو عليه في صلاتنا, كنا كمثل من اصابته حرارة الشمس فراح يدعو الله ان يرسل عليه غيمة تضلله بدلا من ان يصنع له سقفا يضلله , كان هذا هو حالنا في القريه .
من يجرؤ على الوقوف بوجه الدفان وكل هذه العفاريت تحيط به ؟
لعناتنا للدفان اصبحت شبه علنيه حتى اوصلها (رفيق) المجنون لاذني الدفان , فكان الرد يأتينا ( سينتقم الدفان من امواتكم), ما العمل وقد ضاقت بنا السبل ؟
اصوات من القريه كانت تحاول ان تهون الامر ,مثل مالذي يضر الاموات ان يرقدوا عرايا . او مثل السكوت عن الضرر خوفا من جلب ضرر اكبر او ( تقيه ) كما يسميها البعض, رغم هذا كانت القلوب تغلي بالحقد على (سلطان الدفان).
وفي احد الايام وكعادة السنين التي لايأمن لها اللا الغبي الجاهل, وفجأة وبدون مقدمات تهون الامر مات (سلطان)الدفان, هل من المعقول هذا ؟ ان بموت هذا الذي تحيطه الشياطين والعفاريت من كل جانب؟ هل من المعقول ان يموت هذا الذي كان مجرد ذكراسمه يثير الرعب في القلوب؟ سبحان الله .
انها الحقيقه فلقد مات الذي كان يخرس الالسن , مات الذي جعل الرعب ثوبا والبسه لقريتنا ,مات الدفان وهرب (رفيق)المجنون لجهة لانعلمها ويقال انزوى بجحر وهو يبكي على سيده الذي كان يطعمه ويحميه , يبكي على شريكه في الجريمة التي طالت حتى الاموات .
مات الدفان وعمت الافراح القريه , افراح تعلوها اصوات الشماتة بكل طاغية جبار .
وراحت الاخبار تغزونا تباعا , فقيل لنا ان كل حديث عن العفاريت والاشباح هو من اختراع الدفان ومجنونه (رفيق) لكي يبعدو الناس عن المقبره كي يتسنى لهم العبث بها مايشاؤون .
زرنا موتانا واردنا ان نكفنهم مرة اخرى , لكن من اين لنا بدفان اخر يقوم بالمهمه؟
لم يكن امامنا الا ابن الدفان دفاننا القديم فهو الوحيد الذي يعرف هذه المهنه , بعد ان اقسم لنا ابن الدفان ان يعوض علينا ما فعله (سلطان) بنا , وبادر بالعمل الصالح فاخرج موتانا وكفنهم مرة اخرى .
.وتمر الايام ونفس الامراض التي كانت تفتك بنا بقيت تزورنا , ودفاننا الجديد ازدهر عمله واصبحت علاقته بالقريه اشد قربا من ابيه, تمر الايام ويقتني دفاننا الجديد مجنون له لانعرف من اين اتى به , يبدو ان كل دفان لايستطيع العمل اللا وبقربه مجنون .
كان (سيد) وهذا هو اسم المجنون الجديد اشد اللفة من سابقه, لديه خفة بالضل لم نعهدنا بالذي سبقه .
بدأت الامور تتغير للآحسن قليلا, لم يعد هناك خوف من قبر اوشبح او عفريت مستهتر, تغيرت الحال.
لكن الامور لاتجري وفق ما نريد , فلقد صدمنا يوما بان دفاننا الجديد فاق في عمله ابيه , فلقد كان يسرق الاكفان مثل ابيه تماما لكنه فضلا عن سرقة الاكفان كان يضع الخوازيق في ادبار الموتى, يبدو ان الكوارث تأبي ان تفارق قريتنا, وكعادتنا التي لا نستطيع لها فراقا , رحنا نكيل اللعنات لدفاننا الجديد .
جعلت هذه المصيبه احد شيوخنا الكبار يقول وهو يضحك بصورة هستيريه ( تخيلوا شكلكم وانتم تقفون امام الله عراة والخوازيق في مؤخراتكم أي منظر هو هذا ) .
لانملك اللا الدعاء ,ولا نعرف سوى اللعنه على دفاننا الجديد.تمر السنين وامواتنا عرايا والخوازيق شاخصة في ادبارهم.
بعد هذه السنين سألت نفسي من احسن ممن هل كان سلطان ومجنونه ( رفيق ) ارحم من دفاننا الجديد وتابعه (السيد) ؟ سؤال لم اعرف اجابته لكني اعرف تمام المعرفه ان الخوازيق التي في ادبار اسلافنا ستنتزع يوما ,لكني اصبحت اخشى ان يأتي من يولجها في ادبارنا نحن الاحياء .








ماجد العاتي
majidalaty@yahoo.com

Views: 29

Comment

You need to be a member of Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا to add comments!

Join Ottawa Spotlight اضواء أوتاوا

© 2020   Created by M.T. Al-Mansouri, Ph.D..   Powered by

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service

Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)