تمت (4)

بيروت: حرب وسلم

حطمت الضربات الأولى للجنود العرب خلال حرب رمضان إلى الأبد أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وبدّل تقدم الجيش المصري في سيناء والجيش السوري على هضاب الجولان جذريا توقعات مخرج للحرب، فقد كان يمكن هزيمة إسرائيل وتحرير فلسطين. ونظرا لهذا الأمل الشعبي، أخذت المزايدة "الثورية" لياسر عرفات في موضوع استرداد فلسطين بعدًا آخر تمامًا، كان يريد خوض "حربه" في ميدانين، سياسي وعسكري: في الميدان العسكري كان يصدّر، بشكل من الأشكال، بضاعته الثورية إلى "السوق" الداخلية مبديًا أنه كان قادرا هو أيضا على هزيمة إسرائيل، وفي الميدان السياسي كان يدفع جبهة نايف حواتمة المعروفة بأفكارها "الجسورة" و"النادرة" بالمطالبة بإقامة دولة فلسطينية "ديمقراطية" تتعايش فيها الأديان الثلاثة، الإسلام والمسيحية واليهودية.


وبالطبع، لم يُترك المشروع الأساسي الهادف إلى وضع بيادق إسرائيل على رقعة الشطرنج السياسية العربية وإنما أُجّل، لأن شبح الحرب الأهلية اللبنانية كان يزداد تهديدا أكثر فأكثر، وتقسيم الأحزاب المدعوة وطنية كان يزداد بروزا أكثر فأكثر، أما الكتائب، فقد بقوا على مواقفهم أكثر من أي وقت آخر.

كانت نتيجة حرب أكتوبر تعميم فكرة "اعمل الحرب على إسرائيل ولكن اعمل السلام مع الشعب الإسرائيلي"، فكانت الدولة الديمقراطية المقترحة تعتمد حقا على سابقة لا يمكن تفاديها لفلسطين محررة، ولكن تُحفظ فيها الهوية اليهودية، مما يعني وجود إسرائيل تحت شكل دَوْلي (من دولة) آخر. لم ينخدع أحد بفحوى هذا المشروع غير القابل للتحقق. وفي كل الأحوال، كانت أغلبية الفلسطينيين لا تعتقد بمثل تلك دولة، وقد رفضتها فتح "حركة عرفات" سلفًا.

كل هذا كان يلعب في صالح إسرائيل: الحل الوحيد الذي بقي كان قبول وجودها مع فرض حل لاحق للوضع، مما كان يعني موديلَ عربيا مشابها للدولة العبرية، وباختصار حل الدولة المسيحية المقترحة من طرف الكتائب، وبمصطلحات أخرى الحرب اللبنانية، حتى إن الكلام كان يدور عن "اعتراف عربي" دون تحديد أن صفة "عربي" لن تغطي إلا دول النفط التي كانت الدولة المسيحية تعني لها قبل كل شيء أن توضع تحت تصرفها غير بعيد عنها كباريهات ومواخير سويسرا العرب، وتنطوي على اعتراف ضمني بدولة أخرى قائمة على الدين: إسرائيل.

تقديم يد العون لعرفات كان كبيرا! إلا أن الأسد، بطل الوحدوية والعروبية، قد عارض ذلك معارضة شديدة، فقد كانت لسوريا أطماع في لبنان منذ كان لبنان، "لبنانها"، كل لبنان، لبنان سوريا الكبرى. وسيزوده ياسر عرفات فيما بعد، هو، بطل الوحدوية والعروبية، بفرصة لتحقيق هذا الحلم. ولكن في الوقت الحاضر، كان عليه الانشغال "بحلمه"، كان عليه أن يكون حاضرا على كافة الجبهات ووراء كل الحكام العرب المشانين ليدعمهم هم وأنظمتهم الدموية، لأن هؤلاء الحكام أنفسهم سيدعمونه في المستقبل حينما يحين ذلك، وسيقوون نظامه، نظام دكتاتوري كأنظمتهم.

سيتساءل القارئ حتما، ولكن أين ذهبت الديمقراطية التي كان عرفات يتغنى بها؟... ديمقراطية هذا الشخص لم تكن ولن تكون إلا واجهة، فترينة في شارع التعهر الفلسطيني. كان يطبق "الديمقراطية" عندما يريد تمرير "قراراته" بواسطة أزلامه. وعلى التأكيد: كانت الأغلبية لأزلامه في كل المؤسسات والسلطات. عندما لم يكن يمكن لأزلامه ابتلاع كل ما يريد، عندما كان لا يمكن للمنطق ولا للامنطق قبول ذلك، كان شعاره هو التالي: "قولوا ما شئتم أفعل ما أشاء!". أذكر عند أحد انتخابات اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، أتى مئات الصحفيين والكتاب الأدعياء ليصوتوا من أجل فوز بيادق عرفات، فتساءل الكل إذا ما كانوا كتابًا أم قراءً، وليكتشف الكل في آخر الحساب أنهم كانوا سائقي ومستخدمي ياسر عرفات، وقد زودهم ببطاقات مزيفة.

كان عرفات غشاشا وخداعا، كان يدعي أنه انتخب ديمقراطيا، وكان يدعي أن تمثيله كان شرعيا، ولكنه ككل حاكم جائر كانت ديمقراطيته تباع في دكاكين التنزيلات، وكان تمثيله ملفقا. مبارك أيضا يقول عن نفسه ديمقراطيا، هذا اللامؤهل لشيء الذي يعاد "انتخابه" منذ عشرات السنين! بن علي أيضا، هذا النصاب العابد له الغرب! وعندما يعترض أحد على وضعه، كان عرفات يدفع لمن فقدوا عقلهم كي يدوروا في الشوارع وهم يلوحون بصورته المبروزة - يا سلام عليك يا فخامة الرئيس! - وكانوا يصرخون: "يحيا زاباطا!" كانت طريقته ليقول للغربيين إنه شعبي، وإنه هنا لخدمتهم، أكثر من بن علي ومركباته السياحية، أكثر من مبارك وكباريهاته في شارع قصر النيل. عرفات وأزلامه، مغتصبو السلطة والحياة هؤلاء، يدّعون أنهم ممثلو الشعب الفلسطيني، ولكنهم في الواقع لا يمثلون إلا أنفسهم، ولا يعملون إلا لمصالحهم. يختبئون وراء فلسطين، ورق توتهم، كالحكام العرب ذات يوم، ليخبئوا قذارتهم، ويخفوا جشعهم، ولكن على الخصوص ليحتفظوا بالسلطة أكبر وقت ممكن.

في ثوب "الديمقراطي" هذا أراد عرفات المدمى أن يكون حاضرا في المشهدين العربي والدُّوَلي، وسأتكلم عن هذا في اللحظة المناسبة. لهذا السبب جعل من نفسه صديقا للقذافي وللملك السعودي، وكان المفضل لدى السادات والنظام الماركسوي في جنوب اليمن. كان يلعب دوره كعميل للموساد وللسي آي إيه على أكمل وجه: قائد سياسي دون أي لون! مع السعوديين كان سعوديا أكثر من السعوديين، ومع البعثيين كان بعثيا أكثر من البعثيين. كان بن علي ينهل من نفس الحيل، عندما يجد نفسه منعزلا في المشهدين العربي والدولي بصفته عميلا مزدوجا للكي جي بي والسي آي إيه كان يعلن نفسه كوريث لبورقيبة في استمرارية دموية "تونسية"، فيتم قبول ذلك في عيون الكل! ويجد الغربيون وخاصة الفرنسيين أن لا بأس في ذلك لتبرير دعمهم لنظام الحداثة - لأن بورقيبة يبقى لهم حديثا طالما تعددت المركبات السياحية حتى بعد مائة سنة بعد موته - ولإبراز صداقتهم التقليدية مع تونس وتقوية الروابط التاريخية الجامعة للبلدين! عرفات، هو، كان يجرؤ على القول عن نفسه بورقيبي، شيوعي، وخمينيي! ولم لا في يوم ما صهيوني؟ لهذا السبب يبدي رؤساؤه في واشنطن وتل أبيب رضاءهم التام عنه.

بهذه الطريقة نجح عرفات في بناء صورته ليصل إلى وضع يكون فيه رئيس دولة حقيقيا، هلوسته، دوخانه، كابوسه، تعذيبه. ومن أجل هذا، كل الوسائل كانت ممكنة: ديمقراطية في دكاكين التنزيلات، انتخابات مزورة، تمثيل خاطئ، وخاصة دون أية بطاقة أيديولوجية. كان رئيسا كالمفتاح الذي يفتح كل الأبواب، والذي يمرر كل شيء: "رغبة" السادات في الذهاب إلى القدس ليصلي، أو "طموح" الأسد إلى احتلال لبنان. في اللحظة التي كان السادات فيها يعلن للعالم أجمع بداية سلسلة من الاستسلامات لا سابق لها في تاريخ الإنسانية، كان عرفات يجلس على مقعد منعزل هناك في مجلس الشعب، كان قد حضر ومعه ضمانه لخطوة السادات المشؤومة حتى إنه كان يتمنى الذهاب معه ليسلم على موشيه دايان وجولدا مائير، لكن الوقت لم يكن بعد قد حان لتحقيق أمنية كهذه، لأنه لم يتخل بعد تماما عن فكرة تحرير فلسطين. بعد أن صلى السادات تحت بساطير الإسرائيليين، استعاد سيناء، ثم لا شيء. وعندما أخذ يطالب بالباقي، بالمن الموعود، بمليارات الدولارات، بالثروة التي وعد بها شعبه، قتلته السي آي إيه باتفاق مع مبارك. أذكر هذا السيناريو الجهنمي في كتابي "أربعون يوما بانتظار الرئيس".

أما الأسد، فقد كان بحاجة إلى انفجار الحرب الأهلية في لبنان. كانت الثورة الفلسطينية تقوى يوما عن يوم، وكان يلزمها واحد أقوى منها كي يقطع لها ليس الأصابع كما فعل الملك حسين ولكن الرأس. وكانت مهمة عرفات بلا نزاع إشعال فتيلة الحرب وتسهيل الأمر لإقامة دولة مارونية (الفعل الكتائبي الإجرامي الذي ارتكب في حق فلسطينيي الباص المعروفة قصته سيناريو متقن لإلقاء تبعة الحرب على غير الثعلب "المكوفف" صاحب الكوفية) كانت عائلة الجميل قد شكلت أرمادا كبرى بفضل العون العسكري الإسرائيلي: وبشكل من الأشكال كانت إسرائيل هي التي تقاتل في بيروت لتحقيق أهدافها الخاصة بها. عاند مقاتلو المخيمات وعلى رأسهم مخيم تل الزعتر الكل، وخاضوا معركة ضارية، وسجلوا بعض النقاط. فماذا فعلت الحرباء؟ ماذا فعل عرفات؟ بدلا من البحث عن تحرير لبنان ثم فلسطين، جر الأسد إلى نجدة الكتائب بعد أن تكبدوا خسائر فادحة. وقد كان الأمر سهلا للسوريين، كانوا هناك إلى جانب "العدو"، العدو ذاته الذي كان يقسم بحرق دمشق إذا ما تجرأ الأسد ووضع قدمه في زحلة! وفي نهاية الأمر، لم يضع الأسد قدمه في زحلة فحسب بل وفي كل بلد الأرز... لقد حقق بطل الوحدوية والعروبية بفضل عناد مقاتلي عرفات حلمه في ضم الأراضي اللبنانية. كان ذلك ما يعود عليه بشكل من الأشكال "مقابل" تخليه عن الجولان للإسرائيليين. هذا ما كان يسميه عرفات أن يكون حاضرا على كل الجبهات: أن يعرض خدماته على الأنطمة الإستبدادية. أضعف الأسد كالملك حسين من قبله الفدائيين بفضل تواطؤ عرفات. "ليس أنا! كان يقول محتجا أمام كاميرات العالم وهو يذرف دموع التماسيح. أنا، ما أنا سوى ضحية! الشعب الفلسطيني وما أدراك ما الشعب الفلسطيني، الثورة الفلسطينية وما أدراك ما الثورة الفلسطينية، قضيتي المقدسة، القضية العادلة لشعبي... الخ!".

لقد تقدم مشروع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية تقدما ملموسا: من الآن فصاعدا إسرائيل توجد كهوية دَوْلية دونما حاجة إلى موديل آخر مشابه في قلب المنطقة. لقد زودها التدخل السوري في لبنان بالذريعة التي بموجبها ستتدخل بدورها هي أيضا في الحرب دون وساطة الكتائب، فدخلت أخيرا بصفتها دولة بأتم معنى الكلمة من باب المنطقة الواسع. في 1982، أتم جنرالات الجيش الإسرائيلي "الشغل" الذي بدأه الأسد بإنهاء حركة المقاومة، وبإلقاء فكرة تحرير فلسطين بالسلاح في وهاد النسيان.

يتبع...

ترجمة الدكتورة بريجيت بوردو - مونتريال

أفنان القاسم: دفاعا عن الشعب الفلسطيني، كيف ولماذا تمت فبركة ياسر عرفات؟، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 31 - 36.

www.parisjerusalem.net

Read more…

د. أفنان القاسم: بيروت: دولة في الدولة

لماذا استحال التعايش بين السلطتين السياسيتين في عمان ولم يستحل في بيروت؟ لأن المرامي كانت مختلفة. لقد فعل عرفات في عمان كل ما بوسعه من أجل تقوية النظام الأردني والحصول على فيزا لإقامة في بيروت بصفته الرجل القوي للمقاومة، القادر على تطبيق المرحلة الثانية من خطة الموساد والسي آي إيه: إثبات أن إسرائيل موجودة وبالتالي العمل على قبولها من طرف شعوب المنطقة. لم يكن تحقيق ذلك ممكنا إلا إذا أدخلت إسرائيل في رقعة الشطرنج السياسية للشرق الأوسط بصفتها دولة بأتم معنى الكلمة، فقد كان مصيرها مهددا: موجودة؟ غير موجودة؟


ليثبت أن إسرائيل موجودة، كان من اللازم خلق دول أخرى على شاكلة الدولة العبرية: دولة مارونية، دولة درزية، دولة شيعية... من هنا جاءت فكرة لبنان "بلد الطوائف"، والذي على عرفات وهو فيه أن ينجح في تأكيد وجود إسرائيل وليس في تحرير فلسطين. لم يكن تحرير فلسطين بدءا من قواعد الفدائيين في لبنان سوى خديعة، حتى وإن كان عرفات يسعى بكل الوسائل إلى إقناع الفلسطينيين أن ذلك كان ممكنا. لم يكن هدفه تحرير فلسطين، وإنما حماية إسرائيل، وجعلها أكثر من أي وقت مضى داخل حدود آمنة، آمنة في ذلك الوقت، ومعترف بها فيما بعد، في المرحلة التالية، مرحلة تونس كما سنرى.

إذن، وصل عرفات إلى لبنان مع فكرة تمزيق هذا البلد، وهدمه، وذبح سكانه. هكذا يبدأ كل دكتاتور لينجح في مهنة تسمح له بالدخول في التاريخ من الباب العريض للفظاعة الخلابة التي لم يتوقف الإنسان عن صونها ضد إنسانيته. أنشأ دولة في الدولة كان يسيطر عليها تماما من شهادات الميلاد إلى شهادات الوفاة، أقام على الأرض اللبنانية دولة فلسطينية على شاكلته: دكتاتورية، فتح الطريق للكتائب ليخوضوا "حربهم" ضد باقي الطوائف المتحالفة معه، حربا أكثر فظاعة وأكثر إحالة، كي يقيموا "دولتهم" على شاكلتهم، دولة ليست أقل دكتاتورية، دولة "مسيحية"، كما كانوا يقولون.

قبل تفجير هذه الحرب اللبنانية التي كانت تهدف إلى الإقرار بشرعية الدولة "العبرية"، وقفت عقبات كثيرة في وجه عرفات: العقبة الأولى القادة الفلسطينيون الطوباويون الذين كانوا مع القتال على جبهتين جبهة الكتائب وجبهة الإسرائيليين. أعمتهم وطنيتهم وحلم العودة يوما إلى القدس، فلم يفهموا خطورة الوضع المنسوج من حولهم، ولم يروا أن كل رصاصة تُطلق كانت تدمر قليلا أكثر القضية الفلسطينية. العقبة الثانية كانت الفدائيين هم أنفسهم وسكان مخيمات اللاجئين الذين كانوا يدعمونهم. العقبة الثالثة كانت القوى المدعوة وطنية، الأحزاب اللبنانية الطوباوية التي كانت تتمنى التخلص من الكتائب والعمل من لبنان بلدا حرا وديمقراطيا إلى جانب بلد آخر حر وديمقراطي، فلسطين المحررة.

قام كوماندوس إسرائيلي آتٍ من البحر على رأسه باراك الذي سيعين فيما بعد رئيسا للوزراء "لشجاعته" و"تفانيه" في فعل "بطولي": اغتيال القادة الثلاثة الرئيسيين المدافعين عن القتال ضد إسرائيل في أسِرّتِهِم: نجار، عدوان، وناصر. أقول بدقة "في أسِرّتِهِم" للتذكير باغتيال آخر، اغتيال أبي جهاد في تونس، على يد كوماندوس آخر آتٍ من البحر. وفي سريره هو أيضا. وطبعا لم يكن ياسر عرفات هناك خلال الاغتيالين. كان على علم بالأمر، وبما أنه كان مسافرا في اللحظة التي تم فيها الاغتيال، كان له دوما العذر الذي يريد. في ذلك الوقت، كنت أظن أن أبا إياد وأبا اللطف يتواطآن معه، لكني كنت مخطئا، الأول اغتيل بدوره بعد عدة سنوات، مما فتح الطريق لعرفات نحو الاعتراف بإسرائيل، والثاني جُرّد من كل سلطة، وكانت المهمة الوحيدة التي بقيت له أن يكش الذباب في تونس.

مع موت القادة الثلاثة الطوباويين، زالت العقبة الأولى، ووجد عرفات نفسه حرا في الإسراع بالحركة نحو إكمال خطة الموساد والسي آي إيه. لم يعد بحاجة إلى "عونهم" عندما كان يريد التخلص من معارضٍ أو من حالمٍ خطر. كان يأمر باغتياله ليتهم الموساد فيما بعد. وهذا ما حصل مع غسان كنفاني أو ماجد أبي شرار أو ناجي العلي وكثيرين غيرهم.

أما بخصوص الفدائيين الذين كانوا على استعداد ليموتوا في سبيل فلسطين، كان عرفات يعطي الأوامر التعسفية الجائرة للحيلولة دون توجيه أقلها ضربة تُلحق الأذى بإسرائيل. كان رمي الصواريخ من الأراضي اللبنانية على كيبوتزات وقرى شمال إسرائيل تتبعه بشكل نسقي عقوبات صارمة، وكان الفدائيون يعاملون بطريقة أكثر ما تثير الغضب في المعسكرات، كانوا يُحتقرون، ويُهانون. كان على أخي أن يهدد رئيسه بسلاحه لاستعادة جواز سفره والهرب من الوكر اللبناني. كان من بين الأوائل الذين أدركوا المهزلة التي كانت تمثلها المقاومة الفلسطينية حسب عرفات. لقد فهم أن فلسطين ستبقى إلى الأبد أرملة. لم يكن يمكنه سرقة دكاكين المجوهراتية كما كان يفعل زملاؤه ولا اغتصاب بنات الأثرياء. لقد اختار الطريق الأخرى المعارضة لطريق تحرير ياسر عرفات وشركائه لفلسطين، وحسنا فعل، وإلا مات من أجل قضيةِ طاغيةٍ، قضيةِ دكتاتور. تبقى مخيمات اللاجئين التي كانت تدعم المقاتلين الفلسطينيين، والتي كانت تعاني البؤس والبعاد. كانت إرادة أولئك الأشخاص الذين فقدوا كل شيء ما عدا حلم العودة يوما إلى فلسطين ترعب الدكتاتور، فعمل على تفريقهم بدفع الواحد ضد الآخر. لكن لم يكن يزعزع إرادتهم شيء ولا التفافهم من حول الفدائيين الذين كانوا في معظمهم أبناءهم. تحولت تلك المخيمات خلال الحرب الأهلية إلى أشرس ميادين القتال. كانت الطريقة الوحيدة لكسر إرادتها وإحراق حلمها.

العقبة الثالثة، عقبة الأحزاب الوطنية، كان اجتيازها أقل صعوبة من عقبة المخيمات، فقد أفسدها عرفات، وحرض الواحد ضد الآخر، حتى إن الحال قد ذهب به إلى تسليح الواحد ضد الآخر. أمام الكتائب، لم يكونوا يقدرون على شيء لو لم يكن هناك عرفات ونقوده وأسلحته. إذا كانوا متفرقين فيما بينهم، كانوا متجمعين من حول ياسر عرفات الذي لم يقطع اتصالاته أبدا بجميّل الأب ولا بولديه. على العكس، لم يتوقف عن التعامل معهم إلى درجة كان يقال إنه كان يختبئ أحيانا عندهم ليحمي نفسه، فقد كان في مأمن أكثر في بيروت الشرقية من بيروت الغربية.

ولكن قبل شن الحرب الأهلية، حرب عرفات الحقيقية - لم تكن بعض العمليات ضد إسرائيل إلا لذر الرماد في عيون الساذجين والحالمين - لجأ السادات إليه طالبا دعمه. أمام الضيق المتعاظم في صفوف الجيش المصري المنتظر إلى ما لا نهاية خوض معركته ضد إسرائيل وليس كي يدفع الإسرائيليين للمجيء إلى طاولة المفاوضات، كان السادات، بدعم من الأمريكان، يريد القيام بحرب صغيرة ضد إسرائيل ليجتاز قناة السويس وليبقى هناك على الضفة الأخرى للدموع والأحزان. ظن عرفات أنها خطة أخرى تتمم خطته، فأيدها. دارت حرب أكتوبر في صالح الدولة العبرية، وأصبحت ورقة إضافية لشن الحرب الأهلية في لبنان، فالطريق إلى فلسطين تمضي ببيروت وليس بالقاهرة! على الفلسطينيين هم تحرير وطنهم! سادات لم يكن يريد تحرير سوى سيناء! إلى آخره. أصبحنا نحفظ عن ظهر قلب بلاغة ياسر عرفات. أسد، المزايد على الوطنية، أيد أطروحات السادات ليس من أجل تحرير الجولان، ولكن ليحتوي، هو أيضا، قلق جيشه. كان الجولان بالنسبة له بترول سوريا، ودون الجولان سيتوقف المن النفطي القادم من دول الخليج والسعودية، سينهار اقتصاد البلد، وسيقل الإثراء الشخصي للصوص النظام.

يتبع...

ترجمة الدكتورة بريجيت بوردو - مونتريال

أفنان القاسم: دفاعا عن الشعب الفلسطيني، كيف ولماذا تمت فبركة ياسر عرفات؟، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 25 - 29.

www.parisjerusalem.net

Read more…

عرفات: الرجل الذي يعرف إلى أين يذهب

في اللحظة التي كانت فيها هزيمة 1967 تجرف كل شيء، الأخضر واليابس كما يقال، في اللحظة التي كانت فيها الأنظمة العربية تجد نفسها مهددة بهبة شعبية، في اللحظة التي لم تعد فيها فلسطين ورقة توت لأحد، كان عرفات و"مقاومته" هنا ليقدما خدماتهما لهذه الأنظمة الدكتاتورية، لهؤلاء الرؤساء الضعفاء والمنهزمين. كنا نقول في ذلك الوقت إن الشعب الفلسطيني قد استعاد مصيره في يده، وإنها نهاية الوصاية العربية، إلا أن الوقائع قد أثبتت على أن هذه الأنظمة الضعيفة والمنهزمة كانت تبحث قبل كل شيء عن التخلص من العبء الذي كانت تمثله فلسطين، وعن ترك المسئولية للفلسطينيين كي يديروا هم قضيتهم على الطريق المؤدي، ثلاثين سنة فيما بعد، إلى دبابات شارون، إلى المستعمرات، وإلى جدار العار. أن يدير الفلسطينيون هم قضيتهم لم يكن يعني بأي حال من الأحوال أن يأخذوا مصيرهم في يدهم من أجل تحرير وطنهم، وإنما بالأحرى من أجل التخلي عن حقوقهم في هذا الوطن واحدا واحدا، وخاصة من أجل أن تبقى الأنظمة الضعيفة والمنهزمة في مكانها لتنشغل بشعوبها: لتركيعها وخنق كل طموح إلى الحرية لديها، إلى الديمقراطية، وإلى الكرامة.


وإذا كان دور عرفات في نهاية المطاف هو نفسه دور الدكتاتوريين العرب، فالوسائل التي يمتلكها الواحد والآخرون كانت مختلفة تماما. قبل شن ما يدعى بالحرب الأهلية الكاذبة الأردنية-الفلسطينية عام 1970، كان على عرفات أن يضمن صعوده على ثلاث جبهات: الجبهة العسكرية والجبهة السياسية والجبهة المالية. على الجبهة العسكرية، لم يكن ذلك يمثل أي مشكل، فعرفات فرض نفسه منذ البداية كقائد للمقاومة، إذن كقائد لكل فصائل حركة الفدائيين، لكل الاتجاهات على حد سواء. حبش، حواتمة، نجاب أو الآخرون لم يكونوا سوى حجارة شطرنج يحركها عرفات كما يشاء. التجمعات الصغيرة التي كانت تحاول القيام بعمليات من خارج دائرة نفوذه كانت تُقَوّمُ بالقوة أو كانت تجري تصفيتها. شخص النحس هذا كان يعلم أحسن من أي كان أنه في وضع من الحرب الدائمة والتناحرات الأخوية سيكون له احتكار السلطة العسكرية مهما كلف ذلك من ثمن. وفيما بعد، عين نفسه "القائد العام"، بأي حق؟ ولماذا لم يعين في هذا المنصب حبش أو حواتمة أو حتى شخصا مجهولا المهم أن يكون كفؤا؟ لماذا لم تشكل قيادة موحدة تحت رعاية كل قادة المقاومة؟ لا، كان هو، عرفات، الذي فرض نفسه تحت ذريعة أن فتح حركته كانت الأقوى. ولكن ما الذي جعل من حركته الأقوى؟ أنا لا أتكلم عن عدد الذين انخرطوا في فتح وإنما عن قوتها العسكرية: من أين كان يأتي كل ذلك السلاح الذي أقام الفرق بينها وبين باقي الفصائل؟ ولماذا كل هذا السلاح كان يذهب لياسر عرقات وليس لقائد آخر من القادة الحقيقيين أو القادة الوهميين الذين هم أكثر من البطيخ المعروض للبيع في ساحة الجامع الكبير؟ كل شيء كان معدا سلفا ليضع عرفات يده الواطئة على المقاومة، وبكلام آخر ليستأثر بالسلطة العسكرية. حال كوبا من هذه الناحية مقلقة جدا: كانت السلطة موزعة بين قادة الثورة، ولم يعلن كاسترو نفسه دكتاتور كوبا إلا بعد موت تشي غيفارا. وعلى الرغم من كل ما قيل بخصوص موت غيفارا التراجيدي، أجدني أصيغ السؤال التالي: كي يحقق كاسترو هدفه في أن يصبح السيد المطلق لجزيرة الحب هل يكون هو من وراء مصرع رفيق سلاحه؟ سؤال يعود إلى الكوبيين الجواب عليه. أما عرفات، فقد فرض نفسه بالقوة كقائد مطلق منذ الساعات الأولى للثورة.

Espionage in Canada and Western Countries: Part One to Four

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/espionage-in-canada-and

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/espionage-in-canada-and-1

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/espionage-in-canada-and-2

بعد أن اطمأن إلى وضع يده على السلطة العسكرية، سيستولي خاصة على السلطة السياسية ليكون صعوده على رأس منظمة التحرير ومؤسساتها. وكان يمكنه تحقيق ذلك بعون فتح كحركة يشكلها أناس أتوا من شرائح اجتماعية مختلفة في منتصف الطريق بين عُمرين وعالمين وفكرين "رجعيون" في معظمهم همهم الوحيد أن يكسبوا ثقة رئيسهم، عرفات، ليستطيعوا ملء جيوبهم. ومع ذلك، لم تكن حنفيات البترول آنذاك مفتوحة بعد، والمساومات مع السعوديين لم تكن تتم أبدا دون الضوء الأخضر للأمريكان الذين كانوا يفضلون مثلهم مثل الإسرائيليين تطبيق استراتيجية "wait and see" (لننتظر ولنر ما يجري). لكن أناس فتح هؤلاء كان لهم حدس "ثوري" بخصوص النقود وسلطتها في المستقبل. وهكذا بصفته يمثل الأغلبية في المقاومة بالنسبة لباقي الفصائل، ستكون لعرفات الأغلبية في منظمة التحرير بفضل دعم الأنظمة العربية التي كانت تفضله على حبش (الجبهة الشعبية) أو على حواتمة (الجبهة الديمقراطية). كان طموح حبش وحواتمة قلب كل الأنظمة العربية الدموية كشرط أول لتحرير فلسطين، وكان عرفات يعارض ذلك، فاغتصب السلطة السياسية، لكن النظام الأردني ظل يلوح بالخطر الذي يهدده وبعدم إمكانية التعايش بين سلطتين سياسيتين في بلد واحد. والسيادة؟ إلى أيٍ من هاتين السلطتين ستتبع؟ ومع ذلك، كان النظام الأردني نفسه، تحت رعاية الملك حسين ودعم عبد الناصر وكل الأنطمة العربية المنهزمة، الذي عمل على أن تمضي زمام منظمة التحرير من يدي الشقيري إلى يدي عرفات.

في الواقع، تَذَرَّعَ الملك حسين بتنافس فَرْضي بين السلطتين بخصوص السيادة، ولكن وراء هذا التنافس الوهمي كانت تختبئ الأهداف الحقيقية لكلا الطرفين، والتي هي تقوية النظام الأردني وإضعاف المقاومة. في ذلك الوقت، كانت الشائعات تقول إن "الملك الصغير" لم يكن لديه الخيار، وبالنسبة له، كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن العمل بها من أجل إرضاء جمهو ر فلسطيني في غالبيته. لم يكن النظام الهاشمي شعبيا أبدا لأنه لا يعرف سوى سياسة واحدة يجيب بها على التذمر الشعبي: القمع. وهو لم يزل في الحكم فقط لأنه يقمع بالحديد والنار كل حركة احتجاج. هكذا صنع المستعمرون الإنجليز هذا النظام، وهو لن يتغير أبدا إلا بتغيير جذري يمس الأسرة الملكية نفسها. هذا ما كانت تريده فصائل الثورة المدعوة باليسارية: قلب النظام الهاشمي والانتصار لسلطة واحدة هي سلطة المقاومة. كان عرفات المعارض الوحيد لهذا المشروع القابل للتنفيذ مع هذا بالنظر إلى اندحار الجيش الأردني غداة حرب الأيام الستة. كان هدفه تقوية النظام الأردني في مواجهة استياء شعبه وحركة الفدائيين التي تحرز تفوقا على المحتلين الإسرائيليين أكثر فأكثر وذلك بإجراء عمليات شجاعة في الطرف الآخر من نهر الأردن.

animated_crown.gif

The moncitizenship is the new Canadian governmental task. The diplomatic lines of Republics of Yemen and Poland are non grata with their masks.

وكان سبتمبر الأسود تتويجا لسلسلة من "الأخطاء الإستراتيجية" كتحويل الطائرات ورفع الكتب الحمراء في المساجد وأفعال اخرى قام بها جهاز المخابرات الأردني والتي أكثرها غرابة إطلاق النار على سيارة الملك. سبتمبر لم يكن أبدا أسود لصعود عرفات، بل على العكس. كانت تختفي وراء هجوم الجيش الأردني أهداف واضحة: إيقاف الأعمال الفدائية ضد إسرائيل، إضعاف حركة المقاومة على الصعيد العسكري، ولكن على الخصوص تقوية النظام الأردني. ومن المعارك خرج رجلان منتصران: ياسر عرفات والملك حسين، الأول بإفقار حركة الفدائيين عسكريا وبفرض نفسه كقائد سياسي بالأحرى على رأس منظمة التحرير التي سيجري وضعها على خط الاستسلام فيما بعد، والثاني بقمع كل أماني التحرير والحرية أماني الحياة وبإتمام المهمة التي صعد على العرش من أجلها: ضمان أمن إسرائيل.

بعد جرش، حيث انسحب قسم من الفدائيين وأُحرقوا أحياء بنار الجيش الأردني، عادت أكبر جبهة مع الأراضي المحتلة إلى "الهدوء". لم يبدِ الإسرائيليون بعد رضاهم لأنهم ما زالوا غير مقبولين كهوية عرقية ودينية ودَوْلية من طرف الشعوب الأخرى للمنطقة. لم تكن أحداث عمان لهم سوى بداية، وقد أذكت حرب البدو كما كنا نقول في ذلك الوقت حين الحديث عن قاطعي الأصابع هؤلاء القادمين من الصحراء، أذكت الأحقاد بين أردنيين وفلسطينيين وعبأت كل انتباههم. ومع ذلك كان عرفات قد أثبت أنه قادر على الذهاب أبعد في تحقيق الخطة الأساسية التي كانت تصفية القضية الفلسطينية وتهيئة الطريق من أجل أن توسع إسرائيل هيمنتها على كل المنطقة. أعدت السي آي إيه والموساد له الطريق بوضع أسد على رأس السلطة في سوريا والسادات في مصر. اليوم، بعد ثلاثٍ وثلاثين سنة من موت عبد الناصر، وبالنظر إلى الوضع الحرج للمنطقة، أجد معقولة جدا الفرضية التي تقول بتسميم عبد الناصر على يد طبيبه عميل المخابرات الإسرائيلية، فكان العام 1970 أكثر أهمية على الصعيد السياسي من العام 1967، كان عاما حاسما، كان الأمريكان والإسرائيليون يحركون معا الدمى الحاكمة في مسرح العرائس، أسد "المزايد" على الوطنية مقابل السادات بطل "الانفتاح" على الغرب، وعرفات في الوسط. لم يكن لا الواحد ولا الآخر يخطو خطوة واحدة دون موافقته ودعمه. حقا كان هناك من يحركه، ولكنه كان يحرك بدوره الاثنين الآخرين، كان جزءا لا يتجزأ من جبهة أعرض جبهة الإسرائيليين والأمريكيين.

بعد عمان، كان حضوره في بيروت أكثر من حاسم، ودوره أكثر من فاعل، هذا الدور الذي راح يكبر في اللحظة التي بدأت فيها السعودية وبلدان النفظ الأخرى بصب ملايين الدولارات على "رجلها"، فالبيت الأبيض قد أشعل ضوءه الأخضر لأجل برجزة الثورة وإفساد كل ذي قابل للفساد. وعندما اختلس عرفات كل أموال "الدعم" أصبحت بين يديه السلطات الثلاث: السلطة العسكرية والسلطة السياسية والسلطة المالية، وغدا دكتاتور بأتم معنى الكلمة.

ترجمة الدكتورة بريجيت بوردو - مونتريال

Semitic illegal drug calls Khat spreads in North

America and Europe

أفنان القاسم: دفاعا عن الشعب الفلسطيني، كيف ولماذا تمت فبركة ياسر عرفات؟، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 19 - 24.

Read more…

إلى أولئك الذين ماتوا لا لشيء إلا للموت

إلى مايكل مور

المصراع الفلسطيني

عرفات: الرجل الآتي من حيث لا ندري

كان ذلك غداة حرب الستة أيام عندما سمعت لأول مرة بواحد اسمه "أبو عمار"، كنت في ذلك الوقت في الجزائر العاصمة، في زمن كانت الجزائر "الثورية" لم تزل تبحث فيه عن ذاتها، وفي دوامة الأحداث الشرق الأوسطية كانت تعيش من جديد حرب استقلالها، وكانت الحياة السياسية تتبلور حول رجل واحد قوي: بومدين.

animated_crown.gif

The moncitizenship is the new Canadian governmental task. The diplomatic lines of Republics of Yemen and Poland are non grata with their masks.

كنت على وشك القول: ستالين. كان العصر الذي وصلت عبادة الشخصية فيه إلى ذروتها حيث كان رجل البلاد القوي يجسد وحده الثورة والأمة ومستقبل هذه الأمة، كان يمثل جزائر الغد، ودونه حتى وجود الجزائر لم يكن واردا: كان كل شيء يُرى عبر الديكتاتور. في هذا السياق، تجذرت الدعاية الدائرة حول أبي عمار، فقد كان اسم رجل قوي يكفي لتحديد بلد بأكمله، ولتحديد موقع الواحد والآخر بالنسبة له، وكذلك لتحديد موقعه على خارطة العالم. كان يلزم ديكتاتور، لا أهمية لكونه هذا أو ذاك، واحد أطلقت عليه وسائل الإعلام لقب "قائد المقاومة"، كما كانت حال ديكتاتور الجزائر، وكما هو حال كل القواد العرب في الوقت الراهن، كل واحد منهم "قائد" شيء ما.


بهذا الشكل استحوذ الجزائريون على هذا المجهول، أبي عمار، ليحددوا موقع فلسطين، ويفهموا قضيتها. في الواقع، "أبو عمار" ما هو سوى اسم حركي يعني للعَمَار أبا، وعلى الرغم من المفهوم الإيجابي لهذا الإسم وأثره المناسب في فلسطيني الدياسبورا -دون سقف منذ منفاه القسري- كان يلزم أكثر من اسم لنشر دعاية دَوْلية حقيقية ترمي إلى تحريف القضية الفلسطينية في صالح شخص بقضه وقضيضه، وإلى جعل هذه القضية قضية شخص واحد أحد. ولأجل أن تتركز كل السلطات فيه -أليسه الديكتاتور "الثوري"؟- كان يلزم ليس حدث فقط -الحرب بالطبع أو بالأحرى الهزيمة- ولكن اعترافا من قبل المهزومين. كان عبد الناصر أول قائد عربي قابل أبا عمار، وكان العالم قد عرف بعد هذا اللقاء الإسم الحقيقي "الزائف" لهذا الشخص: ياسر عرفات. أقول حقيقي "زائف" لأصلي من نابلس، مهد عائلة عرفات، أعلم تمام العلم أن هذه االعائلة لا تعرف أحدا يحمل هذا الإسم، سأتكلم عن هذا بالتفصيل فيما بعد. ومع ذلك، سمح هذا التضليل لوسائل الإعلام العربية منذ ستة وثلاثين عاما وكذلك لكل أبواق الأنظمة العربية بتحضير الحرب التي يقودها شارون حاليا.

اعتمادا مني على زمنية الحجج أي وضعها في سياقها الزمني وعدم النظر إليها من اللحظة الحالية وإلا بدت أقرب إلى البديهيات بعد أن تم الكشف عنها أقول وقد كنا نجهل ما نعلمه اليوم: لقد بدأ كل شيء مع الإشاعات التي دارت بشأن ياسر عرفات: أنه أطلق أول رصاصة على الجيش الإسرائيلي عام 1965 مفجرا الثورة، أنه عاد إلى القدس غداة حرب 1967 متخفيا ليصلي في المسجد الأقصى ويقبل حجارة المدينة التي ولد فيها، أنه اختبأ قبل وبعد ذلك من البوليس العربي هاربا من بيت إلى بيت. ولم تبن الحقيقة إلا فيما بعد: لم تنفجر الثورة إلا بفضل بعض الطوباويين المجهولين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لفعلهم، وليس من شخصٍ هناك باسم عرفات ولد في القدس لأن عائلة عرفات، كما سبق وأشرت إليه، أصلها من نابلس. ربما ولد أحد أبنائها في القدس ، مثلي أنا، من نابلس ومولود في يافا، ولكن عائلتي كانت ولم تزل في برقة من قضاء نابلس. ولعائلة عرفات رأي قاطع: ياسر عرفات ليس فردا من أفرادها. كل شيء إذن ما هو سوى كذبة، كذبة خالصة، عنصر أساسي لفبركة أسطورة.

Semitic illegal drug calls Khat spreads in North

America and Europe

وهذا ما حاولته على التحديد وسائل الإعلام والأنظمة العربية، أن تجعل من ياسر عرفات أسطورة: ولد في القدس ولكن أصله من نابلس، وعائلته لا تعترف به، مما يبعث على الشك، في الوقت الذي تقترح فيه الفكرة شخصا يأتي من حيث لا يعلم أحد، وفي نفس الوقت ابن البلد، وبتحديد أكثر ابن المدينة المقدسة. لماذا لم يولد في جنين مثلا أو في رام الله؟ من أجل أن تكون الأسطورة كاملة يجب على ياسر عرفات أن يكون مولودا في القدس، على الرغم من أن أصله من نابلس! وترتكز المرحلة التالية من مراحل بناء الأسطورة على جعل ياسر عرفات بطلا نجا بأعجوبة من مطاردة الشرطة الدائمة له خلال سنوات بينما الكل يعلم أن عرفات كان يعمل كمهندس (معماري أم غيره هذا لا يهم ولكن يرتبط المهندس أول ما يرتبط في ذهن الرجل العادي بالعَمَار فلم تأت كنية أبي عمار عبثا) لحساب شيوخ الخليج وكخادم وفيّ لهم، وبالتالي كان محميا من طرف أولئك الطغاة.

بهذه الطريقة تمت فبركة هذا الشخص، شخص ليس كغيره، قطعة قطعة، من أجل الأسواق العربية، وسيكون من اللازم الانتظار قليلا ليرد هذا المنتَجُ على ما تنتظره الأسواق الغربية منه، تبعا لما سيفعله لخدمة إسرائيل. في العالم العربي المثقل بالهزيمة والبؤس، المكمم بأكف حكامه، يُتَعجل ما يراد عمله: لقد فُرشت السجادة الحمراء تحت قدمي ديكتاتور فلسطيني شبيه بكل الديكتاتوريين العرب، لم يعد يأتي من حيث لا يعلم أحد لأنه أُدخل في مسرح السياسة، وكان له دور يلعبه في إطار الهزيمة، وهذا حتى نهاية تصفية القضية الفلسطينية، ولكن على الخصوص لضمان انتصار الإسرائيليين ومد هيمنتهم على كل المنطقة.

RCMP: Canada’s Image and Beautification Part One

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/rcmp-canadas-image-and-1

RCMP: Canada’s Image and Beautification Part Two

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/rcmp-canadas-image-and

RCMP: Canada’s Image and Beautification Part Three https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/rcmp-canadas-image-and-2

RCMP: Canada’s Image and Beautification Part Four

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/rcmp-canadas-image-and-4

RCMP: Canada’s Image and Beautification Part Five

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/rcmp-canadas-image-and-3

RCMP: Canada’s Image and Beautification Part Six

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/rcmp-canadas-image-and-5

RCMP: Canada’s Image and Beautification Part Seven

https://poetsofottawa.ning.com/forum/topics/rcmp-canadas-image-and

RCMP: Canada’s Image and Beautification: Part Eight

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/rcmp-canadas-image-and-6

RCMP: Canada’s Image and Beautification: Part Nine

https://poetsofottawa.ning.com/profile/OIPWHRMT

RCMP: Canada’s Image and Beautification: Part Ten

Active and sleeper cells of terrorists and criminals Downtown Ottawa, and in North America Part One

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/active-and-sleeper-cel...

RCMP: Canada’s Image and Beautification: Part Elven

Active and sleeper cells of terrorists and criminals Downtown Ottawa, and in North America Part two

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/active-and-sleeper-cel...

RCMP: Canada’s Image and Beautification: Part Twelve

Active and sleeper cells of terrorists and criminals Downtown Ottawa, and in North America Part Three

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/active-and-sleeper-cells-of-2

RCMP: Canada’s Image and Beautification: Part Thirteen

Active and sleeper cells of terrorists and criminals Downtown Ottawa, and in North America Part Four

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/active-and-sleeper-cel...

RCMP: Canada’s Image and Beautification: Part Fourteen

Active and sleeper cells of terrorists and criminals Downtown Ottawa, and in North America Part Five

https://poetsofottawa.ning.com/profiles/blogs/active-and-sleeper-cel...

قبل التقدم في هذا التحليل المذهل، لنعد إلى الوراء، إلى أبعد من حرب الأيام الستة، إلى مرحلة متقدمة في حياة وقدر هذا الرجل، ولنتكلم بالضبط عن هذا المعطى الأساسي في بقاء إسرائيل: انتصاراتها وهيمنتها المرتبطة ارتباطا وثيقا بدرب عرفات ومهماته إن لم يكن بوجوده ذاته، لأني أريد الكشف عن هذا الوجه الخفي.

إليكم أولا هذه الحكاية.

عمان 1994، نهاية الصيف. كانت الحرارة من الشدة بحيث كنا نشم رائحة الصحراء الملتهبة. في ظل شجرة زيتون في ريعان الشباب، كان دكتور في الفلسفة يحكي لي "قصته" مع عرفات. كان أحد مستشاريه المفضلين إلى يوم بدأ فيه هذا الجامعي الاهتمام أكثر مما يلزم بالأصل العائلي لقائد المقاومة. وبين ليلة وضحاها، أصبح شخصا غير مرغوب فيه لدى عرفات لأنه اكتشف أن ياسر عرفات ينتمي إلى عائلة مغربية، وأن اسمه بقي يُحفظ سرا في الأرشيف الملكي من المستحيل معرفته إلا أنه نجح في معرفة أن هذه العائلة أصلها من مراكش، وأنها عائلة يهودية. أهو تجلٍ آخر من تجليات تلك الأسطورة التي يُسعى إلى صيانتها حول ياسر عرفات؟ عند هذا الحد من بحثه، طُرد الرجل من منصبه. علّم بعض الوقت في جامعة خاصة في عمان ثم ترك الأردن إلى بلد من بلدان الخليج، وبعد ذلك لم أسمع عنه شيئا.

تذكرت عندئذ ما صرح به ياسر عرفات نفسه عندما كان في بيروت وذلك جوابا على سؤال طرحه إميل حبيبي ومحمو درويش في مقابلة نشرت على صفحات مجلة شؤون فلسطينية: "من أنت؟" تفاجأ عرفات، وتأتأ: "ليس من حقي الحديث عن نفسي، هذا عيب، ومعارض للتواضع." لم يكن الشاعر المعروف والروائي الممتاز يعنيان أن يتكلم قائد المقاومة عن حياته الشخصية ولكن بالأحرى عن الرجل السياسي الذي كانه. فهم عرفات السؤال، ومع ذلك قال: "لو حصل وكُشفت هوية عرفات في يوم ما لاهتز العالم كله!"

أهو مظهر آخر من أسطورته؟ على الإطلاق. يعترف عرفات هنا بما أراد مستشاره إثباته. ولكن هناك من اليهود الذين يقاتلون بقدر الفلسطينيين من أجل القضية الفلسطينية، وهناك من الفلسطينيين الذين يخونون وطنهم، وهم على استعداد لبيع أمهم للعدو. إذن ليس واقع أن يكون يهودي أو غير يهودي ما يهم، بالعلاقة مع الهدف الذي كان على عرفات إنجازه، لا وليس واقع أن يكون أصله من مراكش أو أثينا أو أية مدينة أخرى. في كل الأحوال، هناك مكيدة أقرب إلى مكائد الموساد والسي آي إيه، فسجل هذين الجهازين القويين يثبت دون أي غموض قدرتهما على كل شيء: زرع أحد عملائهم منذ نعومة أظافره شيء سائد سواء أكان المقصود موظفا صغيرا أم رئيس دولة. لا أحد يجهل أن زرع عائلة الأسد في سوريا من فعل السي آي إيه، وأن الملك حسين كان يستلم راتبا شهريا من الجهاز ذاته. الرؤساء والأمراء العملاء يصعب عدهم في العالم العربي: السادات كمبارك، بن علي كشيوخ الخليج. إنهم عملاء مستعدون لكل شيء حتى لهدم بلدانهم إذا ما أمرت السي آي إيه بذلك، وفرضت ذلك المصالح الأميركية.

إذن إنزال عرفات في سياقه الحياتي وخاصة إنزال أفعال عرفات في سياق فلسطين التاريخي يجعل منه عميلا للموساد مع تغطية للسي آي إيه وكل أجهزة المخابرات الأوروبية بما فيها جهاز الدي إس تي الفرنسي والكي جي بي في زمن الإتحاد السوفياتي، ولكن على الخصوص أجهزة مخابرات البلدان العربية، فالمدى العالمي لمهمة هذا الشخص يتطلب أن تساهم كل أجهزة جوسسة المعمورة مباشرة أو غير مباشرة في إعداد وإنجاح الخطة الرامية إلى تصفية المسألة الفلسطينية أو على الأقل الوصول إلى حل لا يرضي سوى إسرائيل. ياسر عرفات، هذا العميل، عميل ليس كغيره، كان مجهزا بأكثر الوسائل حسما ليجعل شعبنا يقبل بأكثر التسويات ريبة، تسويات لا تخدم سوى طرف واحد: الطرف الإسرائيلي. ولأجل هذه الغاية، كل الوسائل ملائمة، من الحرب الأهلية إلى التصفيات السياسية، من البؤس الأشد شناعة، بؤس يعاني منه شعب بأكمله، إلى العمليات الإنتحارية.

في البداية، عندما كان عميلا شابا، كان ياسر عرفات موجودا في مصر، وفي هذا البلد كبر، وزد على ذلك هو لا يتكلم إلا المصرية، اللهجة العربية الوحيدة التي يتكلمها. لا يمكن لفلسطيني أن ينسى أبدا لغته الأم، ولا يمكن لفلسطيني أن يجرؤ أبدا على التكلم بلهجة أخرى غير الفلسطينية بحضور فلسطينيين آخرين. ياسر عرفات لا يتكلم أبدا الفلسطينية، هو الذي شكله الفيزيائي لا يطابق أي شكل "عرقي" للشعب الفلسطيني. هو لا ينتسب لا لشعبنا ولا للغتنا، ومع هذا يقول عن نفسه "فلسطيني". إذن في مصر يدخل ياسر عرفات جامعة القاهرة حيث سيفرض نفسه قائدا لحركة الطلاب الفلسطينيين، وابتداء من هذه اللحظة، تفتح له الطريق نحو زعامة البلد. وكما قلت سابقا ياسر عرفات لم ينتسب أبدا إلى عائلة عرفات، وهو يعطي لنفسه اسما آخر مشكوكا فيه "رؤوف ياسر القدوة". ولكن الأخطر من هذا، كان الطلاب الفلسطينيون، منذ ذلك العهد البعيد وليس منذ اليوم، يشكون في ياسر عرفات ولا يصلون إلى فهم شخصيته. وبالمقابل، كان الكل يعلم أن هناك عددا كبيرا من الفلسطينيين عملاء للموساد. ومن المذهل أن بعضهم قد أصبح قائدا في هذا التنظيم أو ذاك، أو من وراء انشقاق هذا التنظيم أو ذاك أو مصرع هذا الشخص النظيف أو ذاك، فالقادة الفلسطينيون اثنان: من هم عملاء للموساد أو من هم لا يؤثرون في الأحداث. أما الآخرون، فهم الذين قُتلوا كأبي جهاد وأبي إياد وأبي الهول... الخ أو الذين أُبعدوا.

إذن منذ القاهرة بدأ عميل الموساد يظهر بمظهر القائد السياسي، ولكنه بعد أن أنهى الدراسة بدلا من الالتحاق "بشعبه" الموجود في الأردن، ذهب إلى بلاد النفط. كان عليه الانتظار بضع سنوات قبل أن يكرسه شن حرب 1967 قائدا للمقاومة. وبطبيعة الحال بعض الهجمات في الجهة الأخرى من الحدود ما كانت إلا لذر الرماد في العيون: "ها هو أبو الحرب ضد إسرائيل الوحيد من يستحق أن يتسلم قيادة هذا الشعب ليشن حربا حقيقية!" خلال ذلك، حققت إسرائيل حلمها القديم: إسرائيل الكبرى الممتدة من الفرات إلى النيل. لم يبق على عميلها سوى أن يجعله مقبولا من طرف أناس متعطشة للحقد والثأر. على "أبي عمار" أن يقنن كل هذه المشاعر ثم عليه أن يقلبها ضد هؤلاء الناس أنفسهم بدفعهم إلى التقاتل فيما بينهم، ولكن يجب البدء بتوطيد دعائم الأنظمة العربية.

ترجمة الدكتورة بريجيت بوردو - مونتريال

أفنان القاسم: دفاعا عن الشعب الفلسطيني، كيف ولماذا تمت فبركة ياسر عرفات؟، دار لارماطان، باريس 2004، ص ص 9 - 17.

www.parisjerusalem.net

Read more…
Ottawa International Poets and Writers for human Rights (OIPWHR)